لندن – ( إطلالة)
في زمن الحرب بين الجيش والدعم السريع في السودان، أطلت ظاهرة ايجابية تمثلت في ارتياد عدد من السودانيين والسودانيات آفاق العمل التطوعي لخدمة الضحايا والمنكوبين ، وشمل ذلك نقل الجرحى والقتلى، والمساعدة في توفير وجبات، وخدمات أخرى.
وفي استطلاع رأي لعدد من المتطوعين ، بثت وكالة ” فرانس برس” تفاصيل لافتة وموجعة ، إذ روى متطوعون طبيعة أدوارهم في وقت صعب وخطير، وجاءت شهادتهم لتشكل رسالة ساخنة في بريد من أشعلوا الحرب، ويواصلون صب الزيت على النار، من دون أدنى مراعاة لمواجع شعب مظلوم من المتحكمين في قرار الحرب والقابضين على الزناد.


مسيرة تقتل النجاشي وابنته ( أبناء بارا على فيسبوك)
وتشهد هذه الايام تصعيدا لحرب المسيرات وجرائمها الخطيرة التي قتلت أمس على سبيل المثال في الأبيض عاصمة اقليم شمال كردفان الشاب النجاشي خالد جابر وابنته، وكانا غادرا مدينتهم بارا بحثا عن الأمن في الأُبيض ( بضم الألف)، لكن مسيرات قتلتهما، و تواصل حاليا حصد الأرواح ، في البيوت، و الشوارع وفي أي مكان.
هنا نص ما بثته ” فرانس برس” بعدما التقت متطوعين، وهم يستحقون منا في ( إطلالة) ، ومن أي منصف كل التقدير والاحترام.
فيما كانت الخرطوم تشهد معارك دامية بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، اتخذت حياة من بقي من السكان فيها إيقاعا يمليه الموت: فكلما دوّى انفجار، يهرع الجميع الى مكان القصف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وفي ظل بنية تحتية مدمرة، اعتمد السكان في نقل القتلى والمصابين على الدراجات النارية والهوائية وحتى الجرافات. في غرف الطوارئ، شمّر كل من تلقّى تدريبا طبيا ولو جزئيا، عن ساعديه، ليتحرّك مع آخرين، وسط برك من الدماء.
وتطوّع البعض في التكايا (مطابخ عامة تقدّم وجبات مجانية) وآخرون في دفن الموتى في مقابر مؤقتة وغير رسمية في كثير من الأحيان.
ودفعت الحرب السودانيين لتنظيم أنفسهم في شبكات تطوعية مدنية خلقتها الحاجة، فيما “تُرِك السودان وحيدا” في مواجهة أكبر أزمة إنسانية في العالم، بحسب المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في الخرطوم دينيس براون.
في الخرطوم التي سيطر عليها الجيش العام الماضي بعد معارك عنيفة، التقت وكالة فرانس برس بعض هؤلاء المتطوعين الذين يوجد مثلهم الآلاف في جميع مناطق السودان التي يصعب الوصول إلى معظمها.
ورافق ضابط في الجيش السوداني صحافيي فرانس برس أثناء جولتهم، لكنه كان يبتعد عن معظم المتحدثين أثناء إجراء المقابلات.
الممرض ناصر يدرس الصيدلة وتحول الى ممرض
ناصر نصر الدين، شاب طويل القامة، يبلغ 24 عاما، ذو شعرٍ مُعتنى به وعينين يبدو عليهما الحزن. كان يدرس الاقتصاد وتحوّل إلى الصيدلة ثم تحوّل إلى ممرض.
منذ عامين، يتطوّع نصر الدين في مستشفى النو بأم درمان بالخرطوم.
ويقول لوكالة فرانس برس، بينما يقف أمام الصيدلية المجانية التي يديرها مع رفاقه، والتي كانوا يغلقونها كلما حصل قصف ليباشروا عملهم كمسعفين وممرضين، “هنا، ينبغي على الجميع العمل في كلّ شيء”.
ويتذكّر الممرض الشاب أصعب اللحظات التي مرّ بها: الأم التي أمضى ساعتين في محاولة إنعاشها لتفارق الحياة بين ذراعيه، الطفلة ذات العشر سنوات التي قالت إنها تُعاني من ألمٍ في المعدة بينما كانت أمعاؤها تتدلّى خارج جسمها، وقصف المستشفى الذي أودى بحياة صديقه.
يتذكّر نصر الدين كذلك قصف سوق صابرين المزدحم في فبراير 2025، عندما قتلت قوات الدعم السريع ما لا يقل عن 60 شخصا وأصابت أكثر من 150 آخرين بجروح، وفقا للأمم المتحدة.
ويروي “كان المصابون يصلون إلينا على الجرافات ولم نتمكّن من إسعاف الجميع”، موضحا أن الجرحى القادرين على الانتظار كانوا يوضعون جانبا “حتى أصبحنا في بركة من الدم لا نستطيع السير”.
ورغم ساعات العمل الطويلة، لم يرغب نصر الدين في مغادرة المستشفى حتى لأداء امتحاناته المؤجلة. ويقول “الخمس ثوانٍ تحدث فرقا. ماذا لو غادرت ومات شخص كان يمكنني إنقاذه؟”.
ماذا قال عامل التوصيل أسامة؟
أسامة إسماعيل، شاب نحيل في الخامسة والعشرين من عمره، سريع الحركة لا تخيفه خطوط المواجهة والمعارك.
قضى إسماعيل الجزء الأكبر من الحرب في الشوارع، متحدّيا طلقات الرصاص وقذائف المدفعية لتوصيل الدواء والغذاء للمحتاجين.
ويؤكد لفرانس برس “اعتدنا على الرصاص. يمكن أن تقع قذيفة خلفك أو تمر الطلقات أمامك، ولكن يجب أن نستمر، ينبغي أن نقوم بتوصيل الحاجات. هذا أهم شيء”.
في كانون ديسمبر 2023، تولّى إسماعيل مسؤولية توصيل الوجبات التي تعدّها هدى في واحدة من التكايا القليلة التي كانت ما زالت تعمل.
وفي يوم قصف سوق صابرين، قضى إسماعيل الساعات راكضا بين المستشفى والتكية.
ويقول “كان علينا إعداد وجبات طارئة للمصابين والمرافقين وتوفير الملاءات والاحتياجات الأخرى”.
الطاهية هدى ودور ” التكايا”
هدى مكي، تبلغ 60 عاما وتعيش بنظام ثابت منذ سنوات: تستيقظ في الثانية صباحا وتطهو كميات كبيرة من الطعام مثل الفول أو العدس، وإن حصلت على تبرّعات سخية، تطهو الأرز واللحم.
حين اشتدت المعارك وحوصرت أحياء بأكملها، كانت التكايا مثل تلك التي تديرها مكي، الأمل الوحيد الذي حال دون انتشار المجاعة.
وتتحدّث مكي لفرانس برس عن الرصاص الطائش، وهي تشير إلى جزء من الجدار وقعت بالقرب منه قذيفة مدفعية وأصابت الشظايا المعدات والقدور في المطبخ.
وردّا على سؤال عن كيفية استمرارها في ظل تلك الظروف، تهزّ مكي كتفيها وتعدّل ثوبها الزهري الزاهي وتقول “كان الناس جوعى. لا توجد مياه ولا أي شيء. ماذا كان يمكن أن نفعل؟”.
باتت الخرطوم الآن أكثر أمانا، غير أن التبرّعات توقفت رغم استمرار الحاجة، واضطرت مكي إلى تقليص عملها إلى يومين فقط في الأسبوع لإطعام العائلات التي ما زالت بلا وظائف في ظل اقتصاد منهار.
مهندس ميكانيكي ودفن آآلاف الجثث
علي جباي، 38 عاما، مهندس ميكانيكي يُقدِّر أنه قام مع فريقه بتكفين ودفن نحو 7000 شخص خلال السنوات الثلاث الماضية.
مع استمرار القتال في الشوارع، كانوا ينتشلون الجثث وينشرون الصور على مواقع التواصل الاجتماعي بحثا عن ذويهم، وينتظرون 72 ساعة قبل التكفين والدفن، “ووضع علامة على القبر”.
ويتذكّر جباي يوم الهجوم على سوق صابرين “كانت تأتي الجثث أشلاء، مجرد قطع من اللحم”.
يومها دفنوا 54 جثمانا. “كنّا فريقا من عشرة أشخاص.. كنا نعمل حتى تحت قصف المدفعية”.
يعمل جباي في مستشفى النو أيضا، في غرفة باردة ضيقة تُستخدم كمشرحة. من داخل الغرفة، يبرز لصحافيي فرانس برس صورا على هاتفه لجثث قام بدفنها بينها طفلة حديثة الولادة كانت متفحمة.
ويقول لفرانس برس “نحن شباب الحي ومن أول يوم في الحرب تطوعنا في المستشفى”.
ويضيف مفتخرا بعمله أثناء الثورة في السودان عام 2019 “بدأنا التطوع أثناء الثورة”، مشيرا إلى احتجاجات واسعة مؤيدة للديموقراطية ضد الرئيس المخلوع عمر البشير، ثم ضد الجيش وقوات الدعم السريع اللذين كانا متحالفين قبل وقوع الحرب بينهما.
ويشدّد جباي “نحن الثوّار ضدّ كل هذا الهراء. بإمكاننا الرحيل غدا، لكن وطننا بحاجة إلينا وهناك الكثير الذي ينبغي عمله”.

