محمد المكي أحمد:
استهلت المملكة المتحدة رئاستها اليوم لمجلس الأمن باطلاق موقف يُشدد على “محاسبة مرتكبي الفظائع البشعة” في السودان، ودعوة المجتمع الدولي إلى إجراء “تحقيقات جنائية بشأن الفظائع التي حدثت في الفاشر، لضمان محاسبة مرتكبيها ” الذين وصفتهم وزيرة الخارجية بـ “الأوغاد” ، و”لتحقيق العدالة للضحايا، وكسر دائرة إراقة الدماء”.
وفي أول تعليق على تقرير “لجنة تقصي الحقائق في الأمم المتحدة بشأن الفاشر” الذي تم الكشف عن تفاصيله اليوم ، أوضحت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، أن المملكة المتحدة طلبت من الأمم المتحدة في شهر نوفمبر ( 2025) إعداد هذا التقرير “لمحاسبة مرتكبي هذه الفظائع البشعة”
وقالت وزيرة الخارجية في بيان تلقى موقع (اطلاله) نسخة منه :”سوف أطلع مجلس الأمن ( اليوم ) على ما خلُص إليه لضمان أن يسمع العالم أصوات نساء السودان اللواتي تحمّلن الكثير من المعاناة.”
ورأت كوبر إن “ما خلص إليه تقرير الأمم المتحدة مروع للغاية ، فظائع تشمل التجويع والتعذيب والقتل والاغتصاب الممنهج، والاستهداف العرقي على أوسع نطاق رهيب أثناء حصار قوات الدعم السريع للفاشر”.
وأضافت أن “هذا التقرير الذي نُشر اليوم يصف الأهوال الرهيبة التي لا توصف ، بما فيها أن يكون الناس مجبرين على الاختيار بين الجوع أو أكل غذاء الحيوانات، وتعرُّض الأطفال لاغتصاب جماعي، ونصب كمائن للمدنيين وذبحهم أثناء محاولتهم الهروب من المدينة المحاصرة، ومرضى وطواقم طبية قُتلوا في مستشفياتهم، ومرتكبو الفظائع يتباهون على وسائل التواصل الاجتماعي بارتكابهم لجرائم جماعية، ويدعون إلى الإبادة”.
وشددت على أننا “نحتاج إلى العمل العاجل من انحاء المجتمع الدولي، بما في ذلك إجراء تحقيقات جنائية دولية عاجلة في الأدلة المتزايدة على الفظائع التي حدثت في الفاشر لضمان محاسبة مرتكبيها الأوغاد، وتحقيق العدالة للضحايا، وكسر دائرة إراقة الدماء”.
وقالت “إننا في حاجة إلى وضع نهاية لتدفق الأسلحة، ومن الضروري أن تجري بعثة تقصي الحقائق مزيدا من التحقيقات، ولا بد من التحقيق في أنباء انتهاكات حظر الأسلحة التي نؤيد ضرورة توسيعها وتنفيذها”. ولفتت إلى ” العراقيل التي تواجهها بعثة تقصي الحقائق من كلا الطرفين المتحاربين مشينة وغير مقبولة ، فالأمم المتحدة بحاجة إلى حرية إجراء التحقيق للمحاسبة عن الفظائع والانتهاكات”.
وتابعت :” الأهم من كل ذلك هو أننا في حاجة إلى إجراء وضغط عالمي سعيا إلى وقف إطلاق النار، ودخول المساعدات الإنسانية الضرورية وتقديم الدعم للناجين.
وقالت إن “ردنا لا بد وأن يكون حازما، فقد فرضت المملكة المتحدة عقوبات على أربعة من كبار قيادات قوات الدعم السريع المتهمين بارتكاب فظائع شنيعة في الفاشر، وفي الأسبوع الحالي انضممنا إلى الولايات المتحدة وفرنسا في اقتراح فرض عقوبات عليهم في الأمم المتحدة أيضا ، فهذه الجرائم لا يجوز أن تمر بلا عقاب.”
ورأت أن “العالم لا يزال يخذل الشعب السوداني. فحين بدأت تبرز أنباء الأهوال في الفاشر، كان يجب أن تكون تلك نقطة تحوّل، لكن العنف لا يزال مستمرا. واليوم، في مجلس الأمن، سوف تضمن المملكة المتحدة كرئيسة للمجلس ألا يغض العالم طرفه عما يحدث.”
وشددت على أنه ” آن الأوان للاستماع لأصوات نساء السودان، وليس الرجال العسكريين الذين يديرون رحى هذه الحرب، نحتاج إلى العمل لأجل تحقيق العدالة والمحاسبة وإحلال السلام.”
ماهي تفاصيل تقرير لجنة تقصى الحقائق المستقلة؟
وجاء في التقريرالذي كشفت تفاصيله اليوم “البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان” إن قوات الدعم السريع نفذت حملة تدمير منسقة ضد المجتمعات غير العربية في الفاشر وما حولها، تشير سماتها المميزة إلى ارتكاب إبادة جماعية.
ووثّقت البعثة وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقالت إن الأدلة تشير إلى ارتكاب ثلاثة أفعال على الأقل للإبادة الجماعية.
وأضاف التقرير أن تلك الأعمال تشمل قتل أفراد من جماعة عرقية محمية، وإحداث ضرر جسدي ونفسي جسيم، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تدمير المجموعة كليا أو جزئيا، وكلها عناصر لجريمة الإبادة الجماعية بموجب القانون الدولي.
وحمل التقرير المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان عنوان: “سمات الإبادة الجماعية في الفاشر” وخلص إلى أن نية الإبادة الجماعية هي الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه من النمط المنهجي الذي تتبعه قوات الدعم السريع في أعمال القتل المستهدفة عرقيا والعنف الجنسي والتدمير والتصريحات العلنية التي تدعو بشكل صريح إلى إبادة المجتمعات غير العربية وخاصة الزغاوة والفور.
وقال محمد شاندي عثمان رئيس البعثة: “يظهر نطاق وتنسيق العملية وتأييدها العلني من كبار قادة قوات الدعم السريع، أن الجرائم المرتكبة في الفاشر وما حولها لم تكن تجاوزات عشوائية في الحرب، بل كانت جزءا من عملية منظمة ومخطط لها تحمل السمات المميزة للإبادة الجماعية”.
وقال التقرير إن السيطرة على الفاشر وما حولها، التي خُططت ونُفذت بعناية، سبقها حصار دام 18 شهرا أضعف بشكل منهجي السكان المستهدفين عبر التجويع والحرمان والصدمات والاحتجاز، وهي ظروف محسوبة لتدميرهم.
وذكر التقرير أن سكان المدينة كانوا منهكين جسديا ويعانون من سوء التغذية وغير قادرين على الفرار، بما تركهم بلا قوة أمام العنف الشديد الذي أعقب ذلك.
وأفاد التقرير بأن آلاف الأشخاص، وخاصة من الزغاوة، قُتلوا واغتصبوا أو اختفوا أثناء 3 أيام من الرعب المطلق.
وأشار التقرير إلى أن قيادة الدعم السريع أشادت بعملية الاستيلاء باعتبارها “نصرا عسكريا كبيرا وتاريخيا”، وأثنت على مقاتليها “لتحرير” المدينة من “الجيش الإسلامي الإرهابي”.
وأفادت الأمم المتحدة أن التقرير يوثق نمطا من السلوك الموجه تحديدا ضد الجماعات العرقية المحمية، بما في ذلك عمليات القتل الجماعي، والاغتصاب واسع النطاق، والعنف الجنسي، والتعذيب خلال عملية الاستيلاء في أكتوبر( 2025 ).
وأضاف أن هذه الأعمال لم تكن عرضية في سياق الأعمال العدائية، بل ارتُكبت بطريقة وسياق يُظهران نية تدمير الجماعات المستهدفة.
وقال التقرير إن مقاتلي قوات الدعم السريع صرحوا علنا بنيتهم استهداف المجتمعات غير العربية والقضاء عليها، ونقل ناجون عنهم قولهم: “هل يوجد بينكم أي شخص من الزغاوة؟ إذا وجدنا زغاوة، فسنقتلهم جميعا”؛ “نريد القضاء على كل ما هو أسود في دارفور”.
ووفق التقرير تقدم هذه التصريحات الصريحة، إلى جانب الطبيعة المنهجية للهجمات، أدلة على نية الإبادة الجماعية.
وقال التقرير:” استخدمت عبارات تمييزية وعنصرية خلال عمليات اغتصاب واسعة النطاق ومنهجية ومنسقة، بما في ذلك العديد من حالات الاغتصاب الجماعي، وأشكال أخرى من العنف الجنسي”.
ووأضاف التقرير “أن الاستهداف الانتقائي لنساء وفتيات الزغاوة والفور، بينما غالبا ما تم تجنيب النساء اللاتي يُنظر إليهن على أنهن عربيات، يؤكد على الغرض التمييزي والتدميري للعنف، وتذكر أحد الناجين قول فرد من قوات الدعم السريع: “هؤلاء عبيد. اقتلوهم، دمروهم، اغتصبوهم”.
وشددت بعثة تقصي الحقائق على الحاجة الماسة لحماية المدنيين أكثر من أي وقت مضى مع امتداد الصراع إلى منطقة كردفان.
وجاء في التقرير أنه في ظل غياب إجراءات وقائية ومساءلة فعالة، ترى بعثة تقصي الحقائق أن خطر وقوع مزيد من أعمال الإبادة الجماعية لا يزال قائما وخطيرا.
وقال رئيس البعثة: “يجب محاسبة مرتكبي هذه الجرائم على جميع مستويات السلطة، وحيثما تشير الأدلة إلى وقوع إبادة جماعية، يقع على عاتق المجتمع الدولي التزام أكبر بالمنع والحماية وضمان تحقيق العدالة”.
يُشار إلى أنه “استجابة لأزمة حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية الناجمة عن النزاع المسلح المستمر في السودان، قرر مجلس حقوق الإنسان في 11 أكتوبر 2023 إنشاء بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق في السودان للتحقيق في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان وانتهاكات القانون الإنساني الدولي وإثباتها وإثبات الوقائع والظروف والأسباب الجذرية لها، بما في ذلك تلك المرتكبة ضد اللاجئين، والجرائم ذات الصلة في سياق النزاع المسلح المستمر الذي بدأ في 15 أبريل 2023، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فضلا عن الأطراف المتحاربة الأخرى”.

