محمد المكي أحمد:
رحيل المبدعين، أصحاب العطاء الثر، في كل الساحات، يثير اهتمام الناس، ويٌحدث أصداء واسعة النطاق، ويُسجل حضورا إعلاميا ، ويحظى باهتمام رسمي وجماهيري في دول العالم كافة .
رحيل الفنان، الموسيقار، الباحث السوداني، الدكتور عبد القادر سالم، الذي انتقل الى رحمة الله أمس ، 16 ديسمبر 2025، في بيته في أم درمان بالسودان قوبل باهتمام ملحوظ، خصوصا وسط أوساط شعبية وإعلامية سودانية، ووسائل إعلام عربية تعرف أدواره في مجتمعه والمنطقة والعالم.
برحيل هذا المبدع فقد السودان عقلا وضع بصمات حيوية على خارطة الابداع السوداني.
ستبقى أعماله حيّة وحيوية، تعيش وسط أهله في السودان وفي المنطقة وفي دول تعرف مكانته الرفيعة في عالم الابتكار الموسيقي و الإبداع .
عبد القادر سالم صوت سوداني جميل، قدم أغنيات متميزة بموسيقاها وايقاعاتها التي خاطبت القلوب والعقول والوجدان السوداني، و تمّيز بتقديمه التراث الذي تزخر به منطقة كُردُفان بغرب السودان، بغناء وبعلم وأدوات تواكب روح العصر .
قدم للسودانيين باختلاف مواقعهم ، وأعراقهم ، وثقافاتهم، وأمزجتهم النبض الكُردفاني الدافيء،والنغمة الشعبية النابعة من تراث عريق.
أهل السودان احتضنوا ابداعه بتعدديتهم الثقافية، وتغنوا باغنياته، ورقصوا مع ايقاعاتها التي تُحرّك الدواخل، وتشحنها بطاقة متجددة، نابعة من مخزون التراث، الذي يعمق آصرة التفاعل بين الإنسان وواقعه الاجتماعي، وهنا يكمُن أجمل انجاز .
نعاه كثيرزن، وصفه سودانيون وعرب وأفارقة وآخرون يعرفونه بأوصاف عدة ، بينها :” فنان كبير” و” أيقونة التراث والموسيقى والأغنية السودانية” و”غيثارة السلام” ، وهي وغيرها من سمات تُعبّر عن الفقد الكبير، والتقدير لعطائه، ومسيرته في عالم الموسيقى و الغناء الرصين والابداع الحيوي الذي يموت صاحبه ويبقى تراثا حيا تتداوله الأجيال.
عبد القادر سالم يتميز بسمات عدة بالمقارنة بمطربين في السودان والمنطقة وربما في دول عدة في العالم.
لم يكن مطربا فقط ، هو صاحب صوت جميل، لكن من أبرز من صفاته التأهيل العلمي الذي يتجاوز دور المطرب التقليدي محدود الأدوار.
تقول سيرته إن عبد القادر سالم الذ ي ولد في مدينة الدلنج في جنوب كردفان في العام 1946 بدأ مسيرته معلما بعدما تخرج في كلية لتأهيل المعلمين ، واصل مسيرة الدراسة وحصل على بكالوريوس في المعهد العالي للموسيقى والمسرح في العام 1970.
كان رجلا طموحا يحب العلم وتطوير الذات، واصل مشواره الأكاديمي ، ونال درجة الماجستير في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في العام 2002 وكان بحثه بعنوان” الغناء والموسيقى لدى قبيلة الهبانية بجنوب كردفان” .
تّوج نجاحه العلمي بالحصول على درجة الدكتوراة في العام 2005 عن بحثه ” الأنماط الغنائية في إقليم كردفان ودور المؤثرات البيئية في تشكيلها”.
وتشير سيرته الى أنه انتج “أكثر من أربعين أغنية مسجلة بالإذاعة السودانية ،وعددا من الأغنيات المسجلة بطريقة الفيديو كليب، وكان تم تصويرها في اقليم كردفان، إضافة إلى أعمال ضمتها مكتبة التلفزيون”
هذا يعني أنه ترك تراثا يضم أغنيات عبّرت عن البيئة الكُردفانية، وعكست الثراء والتنوع الثقافي في السودان.
سودانيون كثيرون أحبوا أغنياته، وبينها “المريود” “مكتول هواك يا كردفان” “عمري ما بنسى”، “بسامة”، و”المريود”وجافاني”.
خارج حدود السودان، ساهم باطلالات عالمية، قدمت الفن والموسيقى السودانية في منصات دولية، احتضنته وتفاعلت مع الابداع الشعبي السوداني، وقد ساهم بانتاج أعمال عالمية ومنها ألبوم “أصوات السودان”.
أخلص إلى القول إن عبد القادر سالم ساهم بفاعلية في اثراء الوجدان السوداني الذي يعاني من انقسام شديد بسبب الحرب الحالية في السودان.
أي أننا فقدنا وجها وقلبا وعقلا كان يساهم مساهمات فاعلة وملموسة الأثر والتاثير في تعميق وتمتين ركائز التفاعل بين السودانيين من خلال الأغنية الكردفانية العابرة بايقاعاتها ومفرداتها الشعبية لحدود غرب السودان إلى فضاء السودان الواسع ،متعدد الثقافات وضروب الإبداع.
هذا يعني أن رحيله ورحيل أمثاله من المبدعين أصحاب الأدوار الايجابية التي توحّد القلوب ولا تؤذيء الدواخل هو خسارة فادحة للوجدان السوداني الذي يعاني من نزيف الحرب.
رحيله خسارة للجهود الهادفة للمّ شمل السودانيين ، و لاطفاء نيران الحرب، في سبيل معالجة ما أصاب الوجدان السوداني من أمراض الكراهية وسموم الحقد والعنصرية، ونزعات الشر، التي تبيح تمزيق الهوية السودانية متعددة المنابع والثقافات.
الأغنيات والفنون الشعبية الكردفانية في غرب السودان و شرقه ووسطه وجنوبه هي روافد تصب جميعا في نهر السودان الموحد.
لكن الوجدان السوداني يعاني بشدة ويئن بسبب الحروب الحالية، والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها أطراف الحرب.
السودان في مسيس الحاجة إلى معالجة حالة الانقسام المدمرة للحاضر والتي تهدد مستقبل البلاد إذا لم يسارع العقلاء وأهل الحكمة إلى إسكات أسلحة القتل والتدمير ووقف حروب عنصرية .
السودانيون محتاجون إلى تفعيل دور المبدعين باختلاف مجالاتهم، ليثروا الوجدان ويرفدونه بقيم المحبة والكلمات المضيئة ، لا بسفاسف القول، والشتائم والكلام القبيح وحروب كلامية تؤذي الوجدان المنقسم وتزيد نيران الحرب اشتعالا وتنهك المشردين وتضاعف معاناة الجائعين والمرضى والمشردين داخل السودان وفي دول الشتات.
الكلمة المسؤولة والفنون الشعبية تلعب دورا فاعلا في المحافظة على وجدان سوداني يحب التفاعل والعناق مع فنون الوطن الشعبية كافة.
هذا التفاعل والعناق مع مبدعي الأغنيات الشعبية هو نتاج التركيبة السودانية متعددة السمات، والأمزجة، و تؤكد حقيقة غير قابلة للمغالطات والجدل.
واقع الحال يجدد التأكيد على أن التعددية السياسية نتاج طبيعي لتنوع اجتماعي وثقافي وعرقي وديني تتميز به المجتمعات السودانية.
وهذا يعني أن التمسك بخيار التعددية هو أيضا نتاج دروس مستمدة من تاريخ ثورات شعبية سودانية منحازة لمناخ التعددية ورافضة لأجواء القمع والقهر، وقد شهدها السودان في الأعوام 1964 و1985 و2019.
من أثرى ويُثري مناخ التعايش بين السودانيين يستحق التحية والتقدير والـتأبين والدعاء الطيب في ساعة الرحيل.
رحم الله عبد القادر سالم ومبدعي السودان الراحلين باختلاف مواقعهم رحمة واسعة، والمأمول أن يواصل المبدعون الأحياء أدوراهم الايجابية بفاعلية أكثر من أي وقت مضى.
أدوار المبدعين الذين يرفعون أعلام الحرية، و يشددون على أهمية التنفس الطبيعي، مطلوبة وضرورية، كي يتماسك الوجدان السوداني المنقسم، و يخرج السودان من أزمته الحالية الطاحنة، وتُصان دماء السودانيين، ويتوفر لهم العيش الكريم، في مناخ تظللّه أجواء التعددية السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية التي تحترم حقوق الإنسان.

