مقالاتأميركاالسعوديةالسودانسورياقطر

 ما هي رسالة لقاء ترمب – الشرع إلى السودانيين؟

السعودية لعبت دوراً حيوياً بفتح مداخل العلاقة الأميركية السورية ونجاح ثورة الشعب السوري انتصار للموقف القطري

محمد المكي أحمد:

شكّل اجتماع الرئيس الأميركي مع الرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، اليوم  10  نوفمبر 2025،  حدثاً تاريخياً، مهماً لسوريا وأميركا والمنطقة.

اللقاء  دشن  مرحلة  علاقات جديدة،  أنهت  عزلة سورية طويلة، قبل انتصار الثورة السورية في 8 ديسمبر 2024.

زيارة  الشرع  إلى أميركا، وهي الأولى لرئيس سوري لأميركا ، ثمرة كبرى من ثمار الثورة السورية التي أسقطت نظام  بشار الأسد القمعي ، الذي دمر البلد، وشرد السوريين.

للقيادة في أي بلد بصمات تبني أو تدمر..

أحمد الشرع خطا بعدما تولى مقاليد الرئاسة في دمشق خطوات ايجابية، بدأها بالتواصل مع قادة بالمنطقة والانفتاح على دول العالم ، وجاءت في صدارة  الدول التي بنى معها جسور التواصل، السعودية، وقطر ، والإمارات، والكويت ، والبحرين ، وسلطنة عمان.

لعبت الرياض دورا حيوياً في دعم القيادة السورية الجديدة من خلال الدعم السياسي والاقتصادي ، ويعود الفضل في فتح مداخل العلاقة بين ترمب والشرع إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

 شهدت الرياض أول لقاء بين ترمب والشرع  في مايو 2025 بحضور ولي العهد السعودي ومشاركة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان عبر الهاتف،  و فتح هذا الاختراق الكبير جسر التواصل بين أميركا وسوريا الجديدة.

دول مجلس التعاون الخليجي الست دعمت القيادة السورية الجديدة، وقد تابعت  خلال سنوات عملي صحافياً في قطر لأكثر من 30 سنة مسارات و كيفيات الدعم القطري للثورة السورية .

القيادة القطرية بقيادة الأمير السابق( الأمير الوالد)  الشيخ حمد بن خليفة  آل ثاني ثم القيادة الحالية بقيادة الأمير الشيخ تميم بن حمد دعمت ثورة الشعب السوري دعماً علنياً قوياً ، وغير مسبوق، خليجياً أو عربياً.

الدوحة احتضنت مؤتمرات لقوى المعارضة السورية، وقدمت الكثير من الدعم السياسي والمادي وفي مجالات عدة، دعماً لثورة الشعب السوري.

 أرى أن نجاح ثورة الشعب السوري انتصار للموقف القطري ، وقد واصلت الدوحة  الدعم للرئيس الشرع، في مجالات عدة،  سياسية واقتصادية وفنية وفي مجالات مختلفة.

 زيارة الشيخ تميم إلى دمشق في 30 يناير 2025 بعد نجاح الثورة السورية جاءت  لُتشكّل مشهداً من مشاهد الاعتزاز القطري بموقف المُنتصر من خلال الدعم الذي أثمر.

تابعت وتأملت مواقف وتصريحات الشرع منذ دخوله  دمشق منتصراً ، أرى أنها اتسمت بسمات سياسة واقعية، مستوعبة لتحديات الواقع السوري  والتحديات الاقليمية والدولية.

الشرع كان ينتمي لتنظيم ارهابي، وكان اسمه ضمن قائمة الارهابيين المطلوبين لأميركا ودول غربية، إلا أنه وفقاً لتصريحاته ومواقفه فقد أكد  انتقاله منذ سنوات من مربع قديم  إلى مربع جديد.

 وقال  في مقابلة مع ( فوكس نيوز) إن ارتباطه بتنظيم (القاعدة) أصبح أمرا من الماضي،وأنه لم يناقش هذا الموضوع مع ترمب .

وكانت الأمم المتحدة وأميركا وبريطانيا ألغت قرارات بشأن ملاحقته بتهمة الإرهاب عشية زيارته لأميركا.

الشرع يتمسك  الآن  برؤى وسياسات تهدف إلى   تحقيق مصالح سوريا، بعيداً عن صخب الشعارات والأوهام ، وضجيج الآيدولوجيا التي لا تهتم بهموم الناس وتطلعاتهم.

يُركز الشرع في  تحركاته وتواصله مع دول المنطقة والعالم على تحقيق منافع لبلده من خلال خارطة مصالح  مشتركة مع دول العالم ، وفي صدارتها أميركا، التي  تتمتع بثقل سياسي واقتصادي وعسكري هو الأكبر في العالم.

بدأ  الشرع مسيرة علاقات سورية أميركية جديدة ، و تُوّجت اليوم  بلقائه ترمب، وهذا يعني أن علاقات البلدين تنمو وتتطور بايقاعات متواصلة.

وزير الخارجية الأميركي  ماركو روبيو أعلن أنه أصدر قرارا بتعليق عقوبات ” قانون قيصر” على سوريا .

وأكد روبيو في بيان  إن “وزارة الخارجية تواصل تنفيذ وعد الرئيس دونالد ترمب بمنح الشعب السوري فرصة لتحقيق السلام والازدهار الدائمين”.

وأوضح أن قراره بشأن تعليق العقوبات الإلزامية المفروضة بموجب قانون قيصر” جاء “استناداً إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية عقب سقوط نظام الأسد”.

ترمب فتح باب رفع العقوبات، وتزامن هذا الإعلان مع لقائه الشرع ، وسيفتح رفع  عقوبات ” قانون قيصر” فرص تعاون اقتصادي واستثماري تحقيقاً لمصالح البلدين.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية أوضحت أن الإعفاء لن يسري على معاملات تشمل روسيا وإيران، وهذا يؤشر إلى خروج سوريا من محور روسي ايراني.

 سوريا الجديدة خرجت أيضاً  من محور تعاون مع حزب الله في لبنان، ما يعني أن هناك قواسم مشتركة للعلاقة الأميركية السورية الجديدة.

ترمب يولي المصالح والتجارة والمنافع الاقتصادية أولوية في سياساته، ولم يكن ممكناً أن يُقدم على تمتين العلاقة مع سوريا  سياسياً واقتصادياً وأمنياً الا بعدما  توافق مع  دمشق  بشأن رؤيته لبناء الشراكات.

قد يقول قائل أن سوريا تراجعت عن مواقفها القديمة  ، وهذا صحيح، لكن  القيادة السورية الجديدة وسوريون  يرون  أن السياسات  القديمة كانت وبالاً على سوريا وشعبها، وأن الشعارات في عهد الأسد كانت للاستهلاك المحلي ولخدمة حلفاء في موسكو وطهران ، وأضاعت مصالح السوريين مع دول كبرى.

 تحقيق المصالح الوطنية والمشتركة بين الدول هو  معيار النجاح لأي  قيادي أو زعيم.

الشرع يعرف أنه يمشي فوق أشواك وألغام  كثيرة مزروعة في سوريا والمنطقة منذ سنوات عدة.

لكنه نجح الآن  في كسر العزلة مع أكبر دولة في العالم استنادًا إلى سياسات واقعية.

وهاهو الرئيس ترمب يقول في مؤتمر صحافي، بعد اجتماعه مع الشرع :” أنا على وفاق مع الرئيس السوري” ويشدد على أن ” سوريا جزء أساسي من الشرق الأوسط” و” نريد أن تنجح سوريا وبقية ( دول) الشرق الأوسط” ووصف الشرع بأنه “رئيس قوي وأنا متأكد من قيامه بعمل ناجح”.

وفي مؤشر على الانسجام بين الرئيسين الأميركي والسوري، كتب ترمب على منصته “تروث سوشيل”: “كان لي الشرف بلقاء الرئيس الشرع، وأتطلع للقائه والتحدث معه مجدداً”، ورأى  ” أن وجود سوريا مستقرة وناجحة أمر بالغ الأهمية لجميع دول المنطقة”.

في تفاعلات لقاء ترمب- الشرع رسائل للسودانيين..

السودانيون في مسيس الحاجة إلى قيادة تعرف كيف تحقق للشعب السوداني مصالحه مع دول العالم ، خصوصا أن البلد زاخر بثروات متنوعة ، ويوجد في موقع استراتيجي مهم للشرق الأوسط وافريقيا والعالم.

لقاء ترمب – الشرع في واشنطن، وهو الثالث بعد الرياض ونيويورك، يرسل رسالة  للسودانيين، وخصوصاً للجالسين على كراسي إدارة الحرب، كي يتأملوا واقع الحال المأساوي، البائس،  ويسترجعوا  مشاهد  وحقائق  شهدها السودان خلال سنوات مضت.

 السودان  بعد  نجاح ثورة شعبه السلمية  في العام 2019 خرج من العزلة الاقليمية و الدولية ، وكان قريبا جدا من مرحلة الغاء الديون، وكان محط أنظار قادة دول كبرى، وقد أبهر شبابه من الجنسين  قادة العالم، بحراكهم السلمي الثوري الباهر.

لكن كيف الحال الآن؟

 الانقلاب الذي قاده  قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بمشاركة  قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو ( حميدتي) وبدعم من بعض السياسيين  والحركات المسلحة في 25 أكتوبر 2021  أعاد مناخ العزلة للسودان ً ، بعدما تجاوزه السودانيون عقب انتصار ثورتهم الشعبية التي أسقطت سلمياً نظاماً ديكتاتورياً، قمعياً، وفاسداً، هو نظام عمر البشير الذي حكم السودان لأكثر من 30 سنة.

شعب السودان يئن اليوم تحت وطأة حرب ضروس  دمرت البلد، وقتلت أعداداً يصعب حصرها الآن، وشردت الملايين داخل السودان وخارجه ، والأسوأ أنها أذلت السودانيين ،وفرضت عليهم أوضاع الجوع والمرض والموت بالرصاص وبالرعب، وحال الشتات المُر.

لا سبيل لفك عزلة الجالسين على كراسي الحرب وعزلة السودان إلا بايقاف الحرب أولاً، ثم إغاثة الجوعى وعلاج المرضى وتوفير بيئة آمنة كي يعود أهل السودان الى بيوتهم.

 الخطوة الثانية  تتمثل في ضرورة انتقال البلد إلى مرحلة الحكم المدني، الذي  يلبي تطلعات الشعب، ويصون حقوق المواطنين، ويوفر أجواء  الطمأنينة والحرية والعدالة والعيش الكريم.

تأملوا أيها الجالسون على كراسي الحرب والخراب  وفوق جماجم الأبرياء حال البلد والناس قبل فوات الأوان.

تأملوا كيف خطت قيادة سوريا الجديدة خطوات انفتاح وتعاون مع  دول العالم ، وفي صداراتها أميركا التي يُمسك رئيسها بملفات العالم كافة، وبينها الملف السوداني.

لا مقارنة بين رئيس فتح لبلده آفاق علاقات إقليمية ودولية أرحب، وبين من تَفرض عليهم دول العالم عقوبات تلو الأخرى ، بسبب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان السوداني، أو  بسبب مخاوف دول الإقليم والعالم من التطرف والمتطرفين والإرهابيين.

من يتعلم من تجارب الآخرين ويتعظ  ينجح ..

من يتعنت ويرى في طريق الحرب خياره المُفضل، كي يستمر في الجلوس على الكرسي الساخن سيندم كثيراً.. ويلعنه الناس والتاريخ..

و سيسقط الكرسي حتماً، طال الزمن أو قصر.

رابط مقالتي عن انتصار الثورة السورية:

سقوط بشار..  وقصة  اختراق “إيميل الرئيس”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *