محمد المكي أحمد:
أهمية كبيرة تتسم بها انتخابات التجديد النصفي للمجالس المحلية والإقليمية، في المملكة المتحدة، التي بدأت في السابعة صباح ، اليوم ، الخميس 7 مايو 2026، وتنتهي في العاشرة مساء ،بمشاركة ملايين البريطانيين.
تنافس شديد تشهده هذه الانتخابات، وما سيسفر عنها من نتائج مهم وحيوي وانعكاساته كثيرة، خصوصا على حزب العمال الحاكم LABOUR PARTY الذي كان اكتسح الانتخابات المحلية في 2 مايو 2024 ويواجه تحديات، وأيضا لحزب المحافظين CONSERVATIVE PARTY الذي فقد كرسي الحكم في 10 داوننغ ستريت بعد 14 عاما.
بالمقابل فان أحزاب أخرى تخوض معركة التنافس بقوة ، وفي صدارتها حزب ريفورم يوكيه REFORM UK (إصلاح المملكة المتحدة) الذي يوصف بأنه شعبوي يميني متطرف، وحزب الخضر GREEN PARTY، هذان الحزبان وقوى أخرى تسعى لتسجيل مفاجآت في نتائج الانتخابات.
في طريقي إلى مركز اقتراع، للمشاركة في الانتخابات، وأثناء تصويتي لثلاثة مرشحين لحزب واحد في منطقة سكني بلندن، من بين أسماء مرشحي أحزاب أخرى، غمرتني مشاعر تقدير واحترام للمملكة المتحدة ، ولدول يسودها مناخ الحرية، وتحتكم لحق الشعب في اختيار من يمثلونه، سواء في المجالس المحلية الحالية التي تلعب أدورا مهمة ،أوالانتخابات البرلمانية في وقت لاحق .
في بريطانيا تلعب المجالس المحلية أدوارا حيوية، تشمل على سبيل المثال، تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية للأطفال وكبار السن، والتخطيط العمراني والاسكان وجمع النفايات وخدمات النقل .
الانتخاب البرلمانية في مرحلة لاحقة، تكتسب أهمية كبيرة، لأن البرلمانيين بالثقل الانتخابي لهذا الحزب أو ذاك، يلعبون أدوارا فاعلة في تشكيل حكومات، تضع سياسات تشمل كل أوجه الحياة ، وتحدد توجهات السياسة الخارجية، وتبني شبكة العلاقات والمصالح مع دول العالم، كما تحدد سياساتها بشأن الملفات الساخنة في العالم، وبينها قضايا مهمة وساخنة كقضية الشعب الفلسطيني والدولة المستقلة إلى جانب دولة إسرائيل، وقضية السلام والحرية في السودان.
أولى حقائق المشهد البريطاني أن العملية الانتخابية لا تخضع لمزاج الحاكم..
لا مجال للغش، والتزوير، و الفوضى ، أو تبديل صناديق الانتخابات كما حدث على سبيل المثال في انتخابات نظمها أركان حكم الرئيس السوداني السابق عمر البشير،الذي حكم بانقلاب عسكري.
تزوير الانتخابات في عهد حكم الإخوان المسلمين في السودان وتبديل صناديق الاقتراع، جاءت في تأكيدات شخصيات سياسية، لعل أهمها ما جاء على لسان الراحل الدكتور حسن الترابي، وهو عراب ذلك النظام ، لكن البشير تمرد مع بعض تلاميذ شيخهم الترابي، فاطاحوا به، وأدخلوه السجن.
بعد خروجه من المعتقل كشف الكثير من الحقائق ، خصوصا في حلقات بثتها قناة الجزيرة بعد وفاته، وتضمنت شهادات للتاريخ قدمها رجل كان صانعا للأحداث.
الفوضى أثناء “الانتخابات” الشكلية في عهود القمع ليست حكرا على السودان وحده ، تحدث في بعض الدول العربية وغيرها.
لا أحد في بريطانيا في مقدوره أن ينخرط في شكل من أنواع الفوضى قبل الانتخابات أوبعدها.
السبب يكمن في وجود دولة مؤسسات، وسيادة قانون ، توجد أنظمة راسخة ، يوجد قضاء مستقل، ونظام انتخابي راسخ البنيان، لا مكان فيه للأهواء الشخصية، أو بصمات الحاكم الديكتاتور.
في مناخ الحرية، والمساواة، والعدالة، وسيادة القانون تخوض الأحزاب البريطانية معاركها الانتخابية بقوة، وتمارس أساليب مشروعة للدعاية الانتخابية في وضح النهار.
في مناخ التنفس الطبيعي تُخاطب الناخب بأساليب عدة، بينها أن يقوم شخص أو أشخاص من كل الأحزاب بطرق أبواب منازل الناخبين، لمخاطبتهم وتوزيع صور المرشحين، ومعلومات عن برامجهم الانتخابية، هذا اضافة إلى استخدام الاعلام والمطبوعات ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات.
في مثل هذا المُناخ الحر الذي يشعل نار التنافس ، تحدث من وقت لآخر مفاجآت ، أو تطورات، بشأن نتائج الانتخابات ، وقد تُعلن نتائج فوز غير متوقعة.
لكن لا أحد يجرؤ على التشكيك في نزاهة الانتخابات.
من أهم السمات الحيوية للانتخابات البريطانية، وفي دول ديمقراطية، أن السباق الانتخابي تواكبه قبل انطلاقه ، تغطية إعلامية حيوية، تُثري الأجواء بتحليلات، ورؤى متصارعة، وتصريحات مختلفة ، وتوقعات متباينة، ومؤشرات تعكسها استطلاعات الرأي العام.
هذه الاستطلاعات لا تُجرى الا في دول تحترم الحرية وحق الناس في التفكير وتباين المواقف والرؤى.
في هذا السياق ، أيا تكن نتيجة الانتخابات البريطانية، أو انتخابات حقيقية في أي دولة ، فهي درس جديد متجدد للأحزاب، وخصوصا لأحزاب قد تخسر بعض المقاعد. هي درس أيضا تتعلم منه أحزاب قد تحقق نتائج ايجابية ترسخ مكانتها وأدوارها، لأن العجلة ستدور مرات ومرات، أي أن انتخابات اليوم ليست نهاية المطاف.
كل هذا دار في ذهني في مركز للاقتراع..
هناك حددت ثلاثة أسماء دعمت ترشيحها في مقاعد المجلس المحلي، في موقع سكني بلندن.
في حوار الذات هناك حزنت لأن الانقلابين في السودان وسياسيين فاشلين وانتهازيين حرموا شعب السودان من خياره الديمقراطي الانتخابي.
شعب السودان دفع ثمن غاليا في سبيل انتزاع حريته السياسية بارادة فولاذية لا تلين أو تنكسر، عبر تضحيات وثورات شعبية كان آخرها ثورة شعبية سلمية، انتصرت في 11 أبريل 2019، وأطاحت حكما ديكتاتوريا فاشلا وفاسدا، حكم لأكثر من 30 سنة.
المدهش أن تصريحات بعض قادة إنقلاب الأمس واليوم في السودان، تؤكد أنهم لم يتعلموا من دروس التاريخ.
هاهم يستميتون في سعيهم لتثبيت أواستعادة كراسي الحكم بالبندقية، ومن خلال الحرب، وفوق جماجم عدد كبير من السودانيين، وفوق شلال الدم المسفوك بغزارة، ووحشية غير مسبوقة.
لا جديد حينما نقول إن لشعب السودان المظلوم تجارب مدهشة وباهرة في تفجير الثورات الشعبية السلمية، ويمكن الإشارة إلى ثورتين شعبيتين سلميتين ، في 21 أكتوبر 1964، وفي 6 أبريل 1985.
لكن مازال الشعب السوداني يعاني بشدة من الانقلابيين، وهم بعض العسكريين الفاشلين في احترام إرادة الشعب وبعض السياسيين الانتهازيين الطامعين في السلطة والمال.
خرجت من مركز الانتخابات في لندن، وقلت لنفسي إن الانقلاببين لم يحرموا الشعب من حقه الانساني في اختيار من يحكمه سلميا فقط، بل أضاعوا على الشعب أيضا فرصة تجديد الثقة، أو معاقبة قادة سياسيين اختارهم الشعب في انتخابات حرة وشفافة إذا رأى أنهم فشلوا في الحكم.
لو اكتملت الدورة الانتخابية لأي نظام منتخب في السودان كان يمكن أن يقول الشعب رأيه، ليحكم ، لقادته إن نجحوا، أو عليهم إن رأى أنهم فشلوا في تحقيق تطلعاته.
هذا هو المقياس الأفضل والأنجع للحكم على القادة المنتخبين ، وهذا المعيار سيضع أيضا حدا للمغالطات، والأكاذيب ، والافتراءات، والمؤامرات ، والانقلابات ، ومحاولات تشويه الناس والتاريخ.
هذا معناه أيضا أن الانقلابات اطاحت بفرص اصلاح الأحزاب التي حكمت في السودان بانتخابات حرة.
كان يمكن للشعب السوداني الذي اختار قيادته عبر انتخابات حقيقية في سنوات معلومة أن يمنح تفويضا لأحزاب وقيادات قديمة أو جديدة ، قد يرى أنها أقرب إلى مزاجه، وأقدر على تحقيق أحلامه وأهدافه في التنمية والاصلاح والتطوير، ومواكبة روح العصر.
هذا التغيير يُمكن أن يحدث في تركيبة الحكم الديمقراطي المنتخب في السودان إذا اتيحت فرصة تكتمل فيها دورة قادة الحُكم المُنتخب، كي تتواصل المسيرة عبر انتخابات جديدة ، تتيح للشعب أن يختار.
في هذه الحالة إما أن يختار الشعب اعادة انتخاب من اختارهم لقيادته في انتخابات سابقة، أو ينتخب قادة حكم جُدد، عبر صناديق الانتخابات ، لا بالانقلابات، أو الحروب.
الانتخابات تساهم مساهمة كبرى في تلقين الأحزاب الحاكمة، بالأمس ، و اليوم و غدا ، دروسا مريرة، ونافعة، وتقوي بنيان دولة المؤسسات التي تحترم حقوق الإنسان.
هذا يعني أن الانتخابات الحقيقة وحدها كما يجري في بريطانيا، هي التي تساهم في إثراء تجارب الحكم العصرية.
وأيا تكن نتائج الانتخابات المحلية في بريطانيا، اليوم، فانها ليست نهاية المطاف، رغم أنها خطوة مهمة وحيوية ومفصلية وتعطي مؤشرات وترسل رسائل مهمة وساخنة .
وهي لا ترسل رسائل لقادة الأحزاب فحسب، بل للناخب أيضا الذي سيلمس إما نتائج ايجابية لمساندته و دعمه لهذا الحزب او ذاك ، إذ أن الناخب سيدفع ثمن اختياره ودعمه لأي حزب، إذا جاءت نتائج سياسات القادمين الجدد أقل من توقعاته أو أدخلته في أزمات لا حصر لها .
ما أروع دروس الانتخابات البريطانية ..
لا مقارنة بين عراقة دولة المؤسسات في بريطانيا وأوضاع السودان وكثير من دول المنطقة.
لكن فرص التعلم من ايجابيات التجارب الناجحة التي تحترم حقوق الإنسان متاحة للجميع .
الشاعر السوداني عمر الطيب الدوش كتب قصيدة ” الساقية” وتغنى بكلماته وبالحان ناجي القدسي ، المطرب الرائع حمد الريح ، وتقول ” الساقيه لسه مُدوّره” ..
وتقول القصيدة، الأغنية، التي تطرب السودانيين، وترقص معها دواخلهم ، في آخر ثلاثة سطور في نهاية القصيدة:
افتح عينيك
والنصر للفأس والرجال
ولسواقي مدورة

