محمد المكي أحمد:
شكّلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والهجمات الإيرانية بالمسيرات والصواريخ على دول مجلس التعاون الحليجي الست، امتحانا صعبا يختبر مواقف وصدقية عدد من قادة دول العالم ، وخصوصا زعماء دول كبرى، درجوا على الانخراط في حروب ، سواء بالمشاركة الفعلية في العمليات العسكرية الأميركية ، أو تقديم الدعم بأشكال أخرى.
في المناخ الإقليمي والدولي، المأزوم ، الحالي، برز موقف رئيس الحكومة البريطانية السير/ كير ستارمر، إزاء الحرب الأميركية الإسرائيلية، الحالية، على إيران .
ستارمر اتخذ موقفا واضحا ومتميزا ، بشأن اعتداءات النظام الإيراني على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ( السعودية، قطر ، الإمارات ، الكويت، البحرين ) والأردن .
زعيم “حزب العمال” الحاكم ، قانوني، و ينظر للحرب بمنظور السياسي والحقوقي ، وأعلن بشفافية تامة رفضه أن تشارك المملكة المتحدة في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، انطلاقاً من مصلحة بريطانية، مع احتفاظه بمواقفه المنددة بسياسات وممارسات النظام الإيراني.
في الوقت نفسه أدان بشدة الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ، ولم يقف في حدود الإدانة الكلامية بل ساهم ويساهم حاليا مساهمة فاعلة في الدفاع عن ” حلفاء” بلاده في الشرق الاوسط .
هذا الموقف انطلق من أرضية الحرص على المصالح البريطانية والمشتركة، وحماية آلاف البريطانيين العاملين في دول خليجية، ولدعم للشراكة مع دول الخليج العربية في وقت يتعرض فيه الإنسان هناك لمخاطر يومية، كبيرة ، تهدد أمن واستقرار دول وشعوب المنطقة، وماتحقق من انجازات تنموية كبيرة في كل المجالات.
في تأكيد على قرار حكومته عدم التورط في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، كرر موقفه في بيان، في الأول من أبريل الجاري:” إذ قال : هذه الحرب ليست حربنا.. نحن لن ننجر للدخول في هذه الحرب.. فذلك ليس من مصلحتنا الوطنية”.
أي أن مصلحة الشعب البريطاني تكمن في عدم الزج بقواته وآلياته في” حرب ليست حربنا”، وتتناقض مع مصالح بريطانيا.
هذا معناه تمسكه الصارم بمصلحة بريطانيا حينما اتخذ قراره التاريخي بعدم التورط في الحرب، رغم إدانته الواضحة ، قبل الحرب وبعدها لسياسات و ممارسات النظام الإيراني.
موقفه الرافض للمشاركة في الحرب على إيران هو أيضا نتاج استخلاص لدروس التاريخ، فالقائد الناجح يستفيد و يتعلم من الدروس، وخصوصا المريرة .
ما يميز موقف ستارمر في هذا الإطار أنه اتخذ موقفا دفاعيا، يُناصر ويدعم ” حلفاء” في دول مجلس التعاون الخليجي الست ، من خلال اتصالات أجراها مع قادتها ، و بإرسال طائرات تايفون وتعزيزات عسكرية إلى تلك المنطقة .
وهاهي القوات البريطانية في الخليج تلعب دورا دفاعيا، ساهم ويساهم في إسقاط صواريخ ومسيرات إيرانية استهدفت منشآت في قطر ودول خليجية.
هذا الموقف الإيجابي البريطاني يعكس أبعاد شراكة نافعة ولافتة، تدافع عن “الحلفاء والشركاء ” ولا تزج بهم في حرب مدمرة.
وجاءت الجولة الخليجية لوزير الدفاع البريطاني جون هيلي ، في 31 مارس 2026 التي شملت السعودية وقطر والبحرين، لتعكس أبعاد الدور الحيوي البريطاني، في هذه المرحلة .
وزير الدفاع البريطاني “أجرى محادثات مفصلة عن الحرب في المنطقة، ومضيق هرمز، وبحث مزيداً من التعاون البريطاني-الخليجي بشأن أمن المنطقة مع دخول الحرب شهرها الثاني”.
وأعرب عن ” تقديره للشركاء لما أبدوه من احترافية وعزم في مواجهة الاعتداءات المستمرة، وعملهم الدؤوب لحماية المدنيين والمواطنين الأجانب – وبينهم بريطانيون – في منطقة الخليج. واجتمع بأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ، وملك البحرين، الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ،وقيادات الدفاع في الدول الثلاث”.
ماذا قدمت بريطانيا لدول الخليج؟
بحسب وزارة الدفاع البريطانية، ارسلت بريطانيا “منظومات دفاع جوي حيوية إلى منطقة الشرق الأوسط لتقديم مزيد من الدعم للشركاء الخليجيين في مواجهة الاعتداءات بالصواريخ والمسيّرات التي تشنها إيران”.
وجاء ذلك “في سياق الجهود التي تبذلها المملكة المتحدة في الدفاع الجماعي مع الحلفاء، دون الانجرار إلى الحرب”.
في قطر،ووفق وزارة الدفاع البريطانية ، فان “سرب طائرات تايفون المشترك البريطاني-القطري الفريد بدأ في الخروج منذ اليوم الأول من الحرب في عمليات دفاعية مشتركة ضد الاعتداءات الإيرانية”.
وأعلن وزير الدفاع البريطاني أنه ” مدّد فترة وجود طائرات البريطانية تايفون في قطر، خلال زيارة تفقدية للقوات المسلحة البريطانية المتمركزة في قاعدة “دخان” الجوية”.
في السعودية، أفادت وزارة الدفاع البريطانية أن “الوزير هيلي أكد لنظيره السعودي الأمير خالد بن سلمان آل سعود قراره بإرسال منظومات الدفاع الجوي سكاي سابر إلى المملكة”.
وأوضحت لندن أن ذلك جاء بعد زيارة استطلاعية قام بها فريق بريطاني، وفي ضوء ذلك “أرسلت المملكة المتحدة فرقا ومعدات تشمل رادارات، ومنظومات القيادة والسيطرة، ومنصات إطلاق صواريخ، وبطارية المدفعية الملكية، ومديرين لإدارة هذه المنظومات” وأشارت وزارة الدفاع البريطانية إلى “أن منظومات سكاي سابر تُدمج ضمن الدفاعات الجوية السعودية والإقليمية الأوسع.”
وأعلن وزير الدفاع البريطاني في 31 مارس 2026 ” أن منصة الدفاع الجوي الخفيفة البريطانية متعددة المهام قد وصلت إلى البحرين، ويدعمها فريق من الخبراء البريطانيين الذين سيساعدون في دمج منظومة الدفاع الجوي قصير المدى في الدفاعات البحرينية”.
كما ” وصلت إلى الكويت منظومة رابيد سنتري (Rapid Sentry)، وهي منظومة صواريخ أرض-جو، إلى جانب منظومة أوركوس (ORCUS) من سلاح الجو الملكي البريطاني ، وهي تتيح كشف المسيّرات مبكرا والتصدي لها”
وترى لندن أن ” الدعم المعزز الذي تقدمه المملكة المتحدة هو دليل واضح على وفاء بريطانيا بالتزامها دعم شركائها في المنطقة.”
وأشارت إلى ” أن المملكة المتحدة تنفذ عمليات دفاعية في المنطقة ( الخليج) منذ اليوم الأول للحرب، لحماية المصالح البريطانية وحلفاء المملكة المتحدة “
وعلم أن “وزير الدفاع هيلي أرسل مسبقا طائرات تايفون إلى المنطقة في شهر يناير 2026 ، و أرسل طائرات إضافية في بداية مارس 2026 “..
ماذا قال وزير الدفاع البريطاني؟
قال وزير الدفاع، جون هيلي في بيان تلقى موقع ( إطلالة) نسخة منه ، أثناء جولته الخليجية ، إن “الاعتداءات العدوانية الإيرانية مستمرة في تهديد حلفائنا ومصالحنا في الشرق الأوسط، لهذا السبب تنفذ المملكة المتحدة طلعات جوية دفاعية منذ اليوم الأول لهذه الحرب لحماية المصالح البريطانية وحلفاء المملكة المتحدة – و نقدم مزيدا من الدعم من خلال تمديد فترة وجود طائراتنا القتالية في قطر، وإرسال فرق ومنظومات دفاع جوي إضافية إلى السعودية والبحرين والكويت”.
وقال “أنا فخور بالشجاعة والمهنية التي تبديها قواتنا المسلحة منذ بداية هذه الحرب، ورسالتي إلى شركائنا في الخليج هي: إن أفضل ما لدى بريطانيا سيساعدكم في عمليات الدفاع عن أجوائكم. وإنني أشيد بالجهود البطولية التي يبذلها شركاؤنا في أنحاء الخليج لحماية دولهم، و نقف إلى جانب شركائنا منذ أمد طويل في الشرق الأوسط، وسنواصل الحث على التوصل إلى تسوية سريعة لهذه الحرب.”
ولفت وزير الدفاع البريطاني إلى أن “رئيس الوزراء ( كير ستارمر) كان قد أوضح أن المملكة المتحدة لن تنجر إلى حرب أوسع نطاقا، وأن الاعتداءات المتهورة التي تشنها إيران في أنحاء المنطقة واستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، تشكل تهديدا للمصالح البريطانية وحلفاء المملكة المتحدة.”.
وأضاف :” لهذا السبب منحت هذه الحكومة ( الحكومة البريطانية) الولايات المتحدة الإذن باستخدام القواعد البريطانية في عمليات دفاعية محددة ومحدودة النطاق، بما في ذلك تدمير مواقع الصواريخ المستخدمة لمهاجمة السفن في مضيق هرمز”.
و كشف وزير الدفاع البريطاني أن “الطيارين البريطانيين الذين يقودون طائرات تايفون وإف-35، ومروحيات وايلد كات وميرلين، قد سجلوا حتى الآن ( 31 مارس 2026) ما يزيد على 1,280 ساعة طيران في عمليات لحماية الرعايا البريطانيين، والقواعد البريطانية، والشركاء في الشرق الأوسط”.
يُذكر أن المملكة المتحدة أعلنت في وقت سابق عن شراء صواريخ خفيفة متعددة المهام لحلفائها في المنطقة، كجزء من جهود أوسع نطاقا لضمان تعزيز قطاع الصناعة العسكرية للإنتاج في هذه الأوقات الحرجة.
وذُكر أن “فرقة العمل البريطانية سابر تحشد جهود القطاع الصناعي والحكومة لدعم دول الخليج في الشراء السريع للمنظومات والأسلحة التي تحتاجها”.
كل هذه التفاعلات تعني أن الدور ” الدفاعي” البريطاني عن دول الخليج يحتاج إلى قراءة خليجية متأنية، للوقوف على دلالاته وانعكاساته الايجابية على أمن المنطقة واستقرارها، ولاستخلاص الدروس والعبر، ولتعزيز آفاق ” الشراكة” حاليا وفي المستقبل .
دور قيادي بريطاني بشأن “هرمز”
إلى ذلك، جاء نجاح بريطانيا في حشد جهود أكثر من 40 دولة ، بحثت في الثالث من أبريل الجاري ، برئاسة وزيرة الخارجية إيفيت كوبر، خطوات التنسيق بشأن مضيق هرمز وحرية الملاحة ، ليؤكد أن لندن باتت في هذه المرحلة مصدر مبادرات تُعزز ثقلها و مكانتها الدولية، وأدوارها في العالم.
اللافت الذي يستحق التأمل في هذا السياق أن هذا التحرك يتسم باستقلالية القرار،وهذه الاستقلالية تمَيز الدور البريطاني، ويُحسب هذا التميّز لـ”حزب العمال”، الحاكم، الذي نجح بامتياز في اختبار الأزمة الحالية في الخليج، باتخاذ موقف يدافع عن الحلفاء في الخليج .
هذا نجاح يقوده زعيم حزب العمال كير ستارمر، و كشف موقفه مواقف بعض قيادات الأحزاب البريطانية المنافسة ، بحسب تصريحات أكدت أنهم كانوا سيورّطون بريطانيا في حرب ” ليست حربنا” كما قال ستامر.
التورّط في الحرب يدخل البلد في أزمة سياسة وعسكرية واقتصادية وانسانية كبرى، وينسف القدرة على اتخاذ قرار مستقل ، يراعي مصلحة بريطانيا .
استقلالية قرار زعامة حزب العمال ليست وليدة اليوم ، أذ تبدو أهمية التذكير بأن حكومة ستارمر – أي حكومة حزب العمال- قد اتخذت موقفا تاريخيا في 21 سبتمبر 2025 حينما اعترفت بـ” دولة فلسطين” .
ودعمت بهذا الموقف التحركات الهادفة إلى تحقيق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، من خلال دعم لندن لـ ” حل الدولتين” أي دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية .
وشكلت مشاركة لندن في مؤتمر حل الدولتين الذي عقد في 28 يولية 2025 بنيويورك ، وهو نتاج بمبادرة سعودية فرنسية ناجحة ، وشكلت المشاركة البريطانية في المؤتمر دليلا من أدلة الفاعلية السياسية ونهج المبادرات الإيجابية، المستقلة، لحزب العمال بقيادة ستارمر.
يُشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما زال رافضا لاقامة دولة فلسطينية ولا يعترف حتى اليوم بـ” حل الدولتين” وانتقد قرار ستارمر الذي دعم الاعتراف بدولة فلسطينية وحل الدولتين.
لكن رغم التباين بين مواقف ترمب وستارمر بشأن الحرب على إيران والدولة الفلسطينية، فان من الصعوبة بمكان أن تتدهورالعلاقة التاريخية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تدهورا يصل حد القطيعة ، إذ أنها علاقة مصالح مشتركة، وعلاقة مؤسسات، ويوجد على سبيل تعاون أمني واستخباراتي وفي مجالات عدة، ومصالح مشتركة .
وإذا أقدم ترمب على اتخاذ موقف يضر بمصالح بريطانيا فانه سيكون الخاسر الأكبر.
أهداف القمة البريطانية الأوروبية الثانية
وهاهي بريطانيا خطت خطوات مهمة لتعزيز الشراكة مع دول الإتحاد الأوروبي، بعما فتحت بريطانيا ودول الإتحاد الأوروبي صفحة تعاون جديدة في 19 مايو 2025 ، وأسفرت عن اتفاق ” شراكة” وصفه الجانبان بانه ” استراتيجي” وشمل مجالات التعاون الدفاعي والأمني والتجاري والصحي وحقوق الصيد البحري ودعم الاقتصاد والروابط الشعبية ، خصوصا بين الشباب.
وقال ستارمر :” سنعلن في الأسابيع المقبلة عن عقد قمة جديدة مع شركائنا في الاتحاد الأوروبي”.
وأفاد بأن “المملكة المتحدة لن تكتفي في تلك القمة بالمصادقة على الالتزامات الحالية التي تم التعهد بها في قمة العام الماضي، نود أن نكون أكثر طموحا. وتوطيد التعاون الاقتصادي. وتعزيز التعاون الأمني”.
أضاف :”نريد أن نحقق شراكة تجسد قيمنا المشتركة، ومصالحنا المشتركة، ومصيرنا المشترك، شراكة قادرة على مواجهة العالم الخطير الذي يجب أن نعمل معا في تعاملنا معه”.
وفي هذا العالم الخطير ، قال إن الحكومة تسترشد في كل الأوقات، بمصالح الشعب البريطاني”.
يُشار إلى أن بريطانيا تضررت اقتصاديا من خروجها من الإتحاد الأوروبي مساء 31 يناير 2020 بعد استفتاء أجراه حزب المحافظين.
سعي حزب العمال، الحاكم، حاليا، لتعزيز الشراكة البريطانية الأوروبية يدعم مصلحة مشتركة، ويعزز مكانة لندن ودورها الفاعل في المنطقة والعالم، ويقوى خطاها على دروب القرار، الوطني ، المستقل، الذي يلبي المصالح الوطنية، و يحقق منافع متبادلة مع “شركاء” وحلفاء في أوروبا والعالم..
هذا التوجه لا يمكن النظر اليه بمعزل عن الترابط بين سعي الحكومة البريطانية الهادف لتحقيق أولويات المواطن البريطاني بمعالجة مشكلات تحتاج إلى حلول جذرية، وبينها على سبيل المثال، ارتفاع كلفة المعيشة والسكن ، ويأتي الاهتمام البريطاني الحكومي بوقف تصعيد الحرب في الشرق الأوسط لأنها تؤثر تأثيرات سلبية على بريطانيا ودول عدة في العالم .
ستارمر يرى “أن الحرب في الشرق الأوسط التي دخلت شهرها الثاني ” قد “أصبح واضحا الآن بأن تأثيرها من شأنه أن يمس مستقبل بلادنا ( بريطانيا) وهنا يبدو الموقف واضحا وينأى عن التورط في الحرب ، إذ قال ” نحن بصدد العمل بسرعة من أجل خفض التصعيد وإحلال السلام” .
رسائل ستامر للشعب بشان أولوياتهم
وأرسل رئيس الحكومة البريطانية في سياق هذه التفاعلات رسالة طمأنه للشعب ، بقوله ” أود أن أطمْئِن الشعب البريطاني بأنه بغض النظر عن مدى عنف هذه العاصفة، إننا جاهزون للتعامل مع آثارها، ولدينا خطة طويلة المدى كي نخرج منها بلدا أقوى وأكثر أمنا”.
وبينما كرر في هذا السياق موقفه بقوله : “هذه الحرب ليست حربنا، ونحن لن ننجر للدخول في هذه الحرب ،فذلك ليس من مصلحتنا الوطنية” فهو يرى أن ” الطريقة الأكثر فعالية التي يمكننا من خلالها المساهمة في تخفيف أعباء ارتفاع تكاليف المعيشة في بريطانيا هي من خلال الضغط من أجل التهدئة في الشرق الأوسط، وإعادة فتح مضيق هرمز الذي يمثل ممرا حيويا للغاية لنقل الطاقة”.
وقال :”لتحقيق تلك الغاية، نحن نعمل على استكشاف كل السبل الدبلوماسية المتاحة لنا ” مشيرا إلى أجتماع وزيرتي الخارجية والمالية مع نظرائهما في دول مجموعة السبع ، وزيارة وزير الدفاع إلى دول في الأوسط لمناقشة الأوضاع مع شركائنا”.
ولفت في هذا السياق إلى المملكة المتحدة جمعت أكثر من 40 دولة حول “بيان نوايا اقترحناه للعمل ككيان واحد من أجل تعزيز أمن الملاحة في أنحاء منطقة الخليج.”
وشدد على سعي لندن “لاستعادة حرية الملاحة، وضمان سلامة السفن والبحارة المحاصرين، واستئناف نقل السلع الأساسية”.
وقال ” بعد ذلك الاجتماع ( اجتماع 40 دولة برئاسة بريطانية بشأن مضيق هرمز) سنعقد اجتماعا للمخططين العسكريين، للنظر في سبل حشد قدراتنا ،من أجل جعل مضيق هرمز متاحا وآمنا بعد توقف القتال”.
وأوضح ستارمر في بيان أنه اجتمع في داوننغ ستريت مع كبار رجال الأعمال المختصين في مجالات الشحن، والتموين، والتأمين، وإمدادات الطاقة.
وقال “كانوا صريحين معي بأن التحدي الرئيسي أمامهم لا يتعلق بمسائل التأمين، بل يتعلق بسلامة وأمن الممر البحري”.
“الحقيقة – والكلام لستارمر- نحن بحاجة إلى كل ما يلي في وقت واحد: جبهة موحدة من القوة العسكرية، والنشاط الدبلوماسي، وشراكة مع القطاعات المعنية، حتى تتمكن هي الأخرى من حشد جهودها بمجرد توقف القتال.”
وشدد في هذا السياق على أن ” دليلي الذي استرشد به منذ بداية هذه الحرب كان دائما المصلحة الوطنية البريطانية”.
وهو يرى أن “حرية الملاحة في منطقة الشرق الأوسط تندرج أيضا ضمن المصلحة الوطنية البريطانية”.
ماذا قال ستارمر للشعب البريطاني ؟
يبدو أن الصدفة صنعت تزامن الأحداث ، ولعبت دورا مهما في تسليط الضوء على مواقف الدول والأحزاب ، وهاهو موقف حكومة ستامر الرافض للانخراط في الحرب في الشرق الأوسط، وسعيه لعقد قمة بريطانية أوروبية لتعزيز الشراكة في كل المحالات ، يجيء عشية الانتخابات المحلية في بريطانيا ، في مايو المقبل، وستعكس مؤشراتها مزاج الشعب وموقفه من الأحزاب كافة ، في ضوء أحداث الساعة التي تمس المصلحة الوطنية البريطانية .
هذا التزامن يتيح للبريطانيين كافة فرصة لتأمل مواقف زعامة و حكومة حزب العمال ، للوقوف على انعكاساتها الايجابية على المصلحة الوطنية، وللمقارنة بين مواقف قيادات أحزاب منافسة وموقف ستامر الذي رفض التورط في حرب الشرق الأوسط الجديدة ، و أبعاد موقفه بشأن قضايا أخرى بينها اعترافه بالدو لة الفلسطينية، .
في هذا الإطار تبدو أهمية التركيز على أولويات المواطن التي سجلت حضورا في بيان ستارمر الذي أصدره في الأول من أبريل الجاري، إذ قال “الناس يفتحون أجهزة التلفزيون، وينظرون إلى شاشاتهم، ويشاهدون الانفجارات، والبنى التحتية التي تتدمر، ويستمعون إلى الخطاب العدائي ، ويخشون من أن انجرار المملكة المتحدة إلى هذه الحر.، هذا لن يحدث”.
وقال :” أدرك أن الناس يشعرون بقوة أن هذه الأحداث سوف تؤثر على أسرهم ومنازلهم. وهم يلاحظون أثر ذلك في محطات الوقود، ويشعرون بالقلق إزاء ارتفاع فواتير الطاقة”.
أضاف :”إن من واجب الحكومة أن تتحمل مسؤولياتها في هذه الأوقات، ليس فقط من خلال اتخاذ إجراءات فورية، بل أيضا أن يكون عندها وضوح في الرؤية يحدد المسار الذي ستسلكه”.
وأعاد للذاكرة ذكريات قديمة بقوله :” ما أتذكره – والحديث لستامر- في سبعينيات القرن الماضي، عندما لم تكن أسرتي قادرة على دفع كل فواتير الخدمات ،فقد عانينا خلال صدمات تعثر إمدادات الطاقة وارتفاع الأسعار الذي شهده ذلك العقد من الزمن، لكننا كنا نؤمن دائما أنه في النهاية ستضمن لنا بريطانيا مستقبلا أفضل، وأعتقد أن هذا هو ما كان مفقودا في الأزمات التي وقعت في السنوات الأخيرة”.
أضاف :”أنا لست على استعداد لأن أطلب من الشعب البريطاني، مرة أخرى، المرور بأزمة من جديد، والخروج منها ومن ثم عودة الأمور إلى نصابها المعتاد وكأن شيئا لم يكن. لذا فإن الأثر على اقتصادنا والطاقة لدينا وقطاع الدفاع في بلدنا سيكون مختلفا هذه المرة.”
وقال :” سنجعل بريطانيا بلدً أكثر عدلا وأمانا” ورأى أن ” كيفية خروجنا من هذه الأزمة ستحدد مصيرنا على مدى جيل قادم.”
وأفاد بأن :” لدينا خطة من خمس نقاط للتعامل مع هذه الأزمة الطارئة” وأعلن خفض 100 جنيه إسترليني من فواتير الطاقة لكل منزل (من أول إبريل 2026)
وأضاف:” مددنا خفض الضريبة المفروضة على الوقود حتى شهر سبتمبر المقبل، ونحن نعمل على مراقبة الوضع بشكل يومي”.
وتابع :”سندعم المتضررين من ارتفاع أسعار وقود التدفئة – وخصصنا 53 مليون جنيه إسترليني لهذا الغرض، وسنعمل على استعادة السيطرة على أمن الطاقة في بلدنا من خلال الاستثمار في الطاقة البريطانية النظيفة”.
وقال للشعب البريطاني إن ” هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها إبقاء فواتيركم خارج دوامة التقلبات التي يتحكم بها بوتين والنظام الإيراني”.
وأضاف :”بصراحة، لقد سئمت وتعبت من تقلبات فواتير الطاقة الخاصة صعودا وهبوطا بسبب اعتمادنا على السوق الدولية…” وأكد ” أننا لو سيطرنا على طاقتنا وكان لدينا مصادر محلية للطاقة المتجددة، لتمكنّا من تثبيت أسعار فواتيركم.”.
وأعلن :”اليوم ( أول إبريل) ستنخفض فواتير الطاقة الخاصة بكم، بفضل الإجراءات التي اتخذناها في الميزانية العامة، وبغض النظر عما سيحدث في إيران، فإن هذا السعر ثابت من الآن وحتى شهر يوليو.”
وتابع مخاطبا الشعب البريطاني :”اليوم إذا كنتم تعملون براتب يوازي الحد الأدنى للأجور، فإن هذه الأجور سترتفع.والأسبوع المقبل، يوم الإثنين( 6 أبريل 2026)، سيرتفع معاش التقاعد الحكومي”.
وبشأن الأطفال ، قال :” في الأسبوع المقبل سوف يُلغى قرار حصر إعانات الأطفال بطفلين فقط، وبذلك سيخرج 450,000 طفل من دائرة الفقر – الغالبية العظمى منهم أبناء لأسر عاملة.
وأضاف أن الأسبوع المقبل سيشهد ” أكبر تعزيز لحقوق العمال منذ جيل كامل” .
وعن مشاكل ارتفاع كلفة المعيشة، قال :”اتخذنا إجراءات في إطار الميزانية لمواجهتها”.
وأكد :”سنواصل الدفاع عن المصالح الوطنية البريطانية، وسنواصل عمل ما يتعين علينا فعله لقيادة بلدنا بهدوء خلال هذه العاصفة” ( الحرب في الشرق الأاوسط)..
كل هذه التفاعلات تجري عشية انتخابات محلية ستشهدا بريطانيا في مايو المقبل ، وهي سترسم المشهد البريطاني للفترة المقبلة، وستوضح مزاج الناخب البريطاني.
الانتخابات المحلية والبرلمانية المقبلة مهمة لكل الأطراف التي تخوضها وخصوصا لحزب العمال الذي اكتسح انتخابات محلية وبرلمانية جرت في وقت سابق وحملات ستارمر إلى رئاسة الحكومة في 10 داوننغ ستريت ، وستخوضها الانتخابات المقبلة أحزاب تتطلع لانتصارات، ويخوضها ستارمر بعدما حقق نجاحا في ملفات محلية وخارجية رغم أنه واجه تحديات كثيرة ،داخلية وخارجية.
الانتخابات المحلية في مايو سترسم مؤشرات يمكن في ضوئها قراءة ما يمكن أن تسفر عنه الانتخابات البرلمانية الساخنة، المقبلة .
الناخب البريطاني سيحكم على حكومة العمال ، لها أو عليها .
حكومة ستامر تُعبر عن نبض التغيير الشامل الذي يتجاوز سياسات بريطانية قديمة.
إذا حصل حزب العمال على تفويض انتخابي شعبي كاسح جديد ، كما حدث في انتخابات يوليو 2024 حيث هزم حزب المحافظين هزيمة ساحقة بعد 14 عاما في الحكم، وحصل على ما يقرب من ثلثي المقاعد في مجلس العموم ( البرلمان) ، أو فاز في الانتخابات المقبلة فوزا مريحا ، فان المشهد البريطاني سيكون مستقرا وواعدا، ومبشرا و باهرا ، محليا وخارجيا، وسيدعم قيماً بريطانية تحترم وتدعم وتصون لوحة التنوع واحترام الثقافات والأديان كافة وتحترم حقوق الإنسان، وسيعزز هذا مكانة بريطانيا ، وهي دولة المؤسسات، وسيادة القانون ، والقضاء المستقل، والصحافة الحرة.
الكرة في ملعب الناخب البريطاني ، ليختار من يحكمه ، في ضوء ما لمسه من قرارات ومواقف أتخذها حكومة حزب العمال بزعامة ستارمر ، إزاء قضايا محلية وخارجية.

