
محمد المكي أحمد:
غداة اجتماع مجلس الأمن والدفاع، أعلنت قوات الدعم السريع في بيان اليوم، الخميس 6 نوفمبر 2025، موافقتها على مقترح ” الرباعبة” التي تضم أميركا والسعودية ومصر والإمارات ،بشأن الهدنة و وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية.
يشكل هذا الإعلان تطوراً ايجابياً ، وسيثير ردود فعل واسعة، مؤيدة ورافضة، ومتحفظة، لكنني أرى أن الموافقة على وقف إطلاق النار من طرف رئيس من أطراف الحرب يستحق التنويه .
أرى أيضاً أن بيان “مجلس الأمن والدفاع ” عن نتائج إجتماعه الذي عقده في 4 نوفمبر 2025 برئاسة “رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة” السودانية، عبد الفتاح البرهان شكّل حدثاً مهما أيضاً، و سعى إلى تحقيق عدد من الأهداف .
أهم الأهداف أن القيادة العسكرية حرصت على تجنُّب الدخول في معركة كلامية او سياسية أو مواجهة أيا كان نوعها مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
مجلس الأمن والدفاع ” شكر حكومة الولايات المتحدة والسيد مسعد بولس مستشار الرئيس ترمب على جهوده المقدرة”. هذه رسالة ذات أبعاد ودلالات، ومن أهم أهدافها كسب ود ترمب وتجنُّب غضبه.
البيان عبّر عن “الترحيب بالجهود المخلصة التي تدعو لأنهاء معاناة السودانيين، التي سببها تمرد مليشيا آل دقلو ( قوات الدعم السريع) الإرهابية” .
هذا الترحيب من دون شك يرسل رسالة إلى واشنطن ودول في المنطقة والعالم، من دون تسميتها.
يمكن تحليل وتفسير هذه الرسالة بأنها قد تعكس نوعا من القبول الضمني الخجول بمبادرة ” الهدنة” الأميركية، لكن من دون الإشارة إلى ذلك بشكل صريح، بسبب اعتبارات ضاغطة على القيادة العسكرية من حلفاء منتشددين، يرون في وقف الحرب خطراً داهماً، يفشل مخططاتهم الهادفة للسيطرة على الحكم، وبالتالي مقدرات البلد.
النص الذي عبّر عن ” ترحيبنا” من دون الإشارة إلى الهدنة أو السلام أو وقف الحرب، هو تعبير فضفاض لكنه ُيبقي الباب مفتوحا للتواصل أو التفاعل مع الرؤية الأميركية ، بهدف تحقيق تفاهمات.
رسالة التقدير لـ “الجهود المخلصة” هي رسالة في بريد الرئيس ترمب ودول في المنطقة، وهي تصلح في الوقت نفسه أن تكون رسالة طمأنة تُخاطب أيضاً رافضي الهدنة مع ” الدعم السريع” لأنها لم تعلن بشكل صريح الموافقة على ” الهدنة” ، أي أنها تهدف إلى سحب مبررات الاصطفاف وربما العداوة أو التآمر من تحت أقدام متشددين رافضين للهدنة ووقف الحرب.
في صدارة الجهات التي حرص البيان على مخاطبتها ، للحؤول دون دخولها في مواجهة مع القيادة العسكرية “جماعات إسلامية” متشددة وتضم في صفوفها قيادات من نظام الرئيس المخلوع عمر البشير.
معلوم أن البشير قاد انقلاباً عسكرياً نفذته ” الجبهة القومبة الإسلامية” في 30 يونيو 1989، واسقط الشعب نظامه بثورة سلمية في العام 2019.
معلوم أيضاً أن البشير وقيادات في حزبه يلعبون حالياً أدواراً فاعلة علانية ومن خلف ستار، ويقوم مساعدوه وأعوانه بأدوار في إدارة الحرب لا يُمكن إنكارها، وتؤكدها بيانات وتصريحات ومواقف علنية ،ملموسة ومحسوسة لدى سودانيين ومراقبين للشأن السوداني .
ما جاء في البيان بشأن ” الشكر” لأميركا و” الترحيب بالجهود المقدرة” يهدف أيضاً إلى الإبقاء على جريان المياه تحت جسر التواصل السري والعلني بين القيادة العسكرية في بورتسودان وخصوصاً البرهان والإدارة الأميركية ويمثلها مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس ترمب.
لكن موقف ورد أميركا المتمسك بالهدنة ودور ” الرباعية” يكشف طبيعة رد الفعل الأميركي على بيان مجلس الأمن والدفاع ، و سيرسم مؤشرات بشأن مسار العلاقة بين بورتسودان وواشنطن، والخطوة الأميركية المقبلة.
الهدف الثاني الذي سعت لتحقيقه القيادة العسكرية التي قالت إن اجتماعها عقد في “ولاية الخرطوم” ( أي ليس في مقرها الحالي في بورتسودان) يكمن في التأكيد على “الاستنفار” الذي جرى الإعلان عنه في وقت سابق بعدما سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر.
هذا الإعلان منسجم مع ما صدر في وقت سابق بشأن الدعوة إلى ” التعبئة والاستنفار ” من خلال مواقف أخرى أعلنتها “حكومة الأمل” في بورتسودان، و جهات متحالفة مع البرهان أو داعمة له ، وأبرزها حزب المؤتمر الوطني (حزب البشير) .
أي أن تشديد وتأكيد مجلس الأمن والدفاع على ” استنهاض واستنفار الشعب السوداني لمساندة القوات المسلحة للقضاء على المليشيا المتمردة ( قوات الدعم السريع) في إطار التعبئة العامة لجهود الدولة من أجل إنهاء هذا التمرد” وفقاً للبيان ، يصب في مجرى حشد الجهود لمواجهة تحديات كبيرة بعدما سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، إذ أصبح كل إقليم دارفور تحت سيطرتها.
هذا الحدث الجديد يثير مخاوف كثيرة في بورتسودان بشأن إمكانية تمدد “قوات الدعم السريع” وتحركها نحو مناطق أخرى في السودان.
أي أن الإعلان عن ” الاستنفار” في بيان مجلس الدفاع هو أجراء متوقع و غير مستغرب، لمواجهة تحركات قوات الدعم السريع التي تركز حاليا على مناطق في إقليم كردفان .
عقب سيطرتها على الفاشر، هددت بالتحرك صوب ” الأُبيض” عاصمة اقليم كردفان الكبرى، وهي تواصل ضرب مناطق في المدينة والإقليم بمسيّرات، ويضرب الجيش أيضا مواقع ” الدعم السريع” في كردفان ومناطق أخرى بالمُسيّرات..
هذا معناه أن تشديد القيادة العسكرية في بورتسودان على ” الاستنفار” هو قرار يُرسل رسالة لرافضي الهدنة ووقف الحرب، لأن هدفهم المعلن هو القضاء على ” المليشيا” وهذا ينسجم مع ما جاء في بيان مجلس الأمن والدفاع الذي أكد أن “استنهاض واستنفار الشعب” يأتي بهدف” إنهاء التمرد” وفقاً للبيان.
الهدف الثالث الذي بدا واضحا في بيان مجلس الأمن والدفاع يتمثل في سعي القيادة العسكرية إلى التجاوب مع دعوات أميركية وأممية لتسهيل دخول الإغاثة والمساعدات الإنسانية ، خصوصا أن أحدث تقرير أممي صدر قبل يومين أكد انتشار المجاعة في مناطق عدة في السودان، خصوصاً في الفاشر بشمال دارفور وكادُوقلي في جنوب كردفان.
السلطة العسكرية في بورتسودان لم تطرح موقفاً محدداً وواضحاً للرد على نداءات أميركية ودولية في هذا الشأن، إذ قالت إن “حكومة السودان ستقدم رؤية حول تسهيل وصول المساعدات الإنسانية ودعم العمل الإنساني”.
ولا يُعرف لماذا لم تعلن موقفاً فورياً متجاوباً مع هذه الدعوة التي تهدف لإنقاذ أرواح يهدد الجوع حياتها.
لكن ما قد يفسر عدم اتخاذ قرار بشأن تسهيل وصول المساعدات الإنسانية أن القيادة العسكرية أرسلت من خلال بيانها رسالة تربط بين العمل الإنساني و” استعادة الأمن والسلام في كل أرجاء السودان”وأعلنت ” تكليف لجنة لاعداد رؤية الحكومة” في هذا الشأن.
الهدف الرابع الذي برز جلياً في بيان القيادة العسكرية يبدو في الإشارة الصريحة إلى ” تقاعس مؤسسات المجتمع الدولي في تنفيذ قراراتها الأممية الخاصة بعدم إمداد إقليم دارفور بالسلاح وفك حصار الفاشر”.
هذا يعني أن بيان مجلس الأمن والدفاع يُحمّل المجتمع الدولي مسؤولية سيطرة “الدعم السريع “على الفاشر واتساع دائرة الحرب.
لكن البيان لم يشر أو يتهم أو يسمي أية دولة، تجنباً للاحتكاك مع واشنطن على وجه الخصوص، وهي حليفة لدول ” الرباعية” التي تضم إلى جانب أميركا ، السعودية، مصر ، والإمارات، وهذه الدول اتفقت مع واشنطن على خارطة طريق لحل الأزمة السودانية ، وتحركات مستشار ترمب مُتفق عليها مع دول ” الرباعية”.
في ضوء كل هذه التفاعلات فان بيان مجلس الأمن والدفاع رغم أنه أشاد بأميركا ومستشار ترمب فان العلاقة مع واشنطن ستتضح مساراتها من خلال الاتصالات واللقاءات السرية لا البيانات .
ورغم ذلك فالمحك هو: هل يصدر في بورتسودان قرار بالموافقة على ” هدنة” إنسانية لتقديم مساعدات عاجلة لملايين الجياع والمرضي، على طريق تسوية سياسية تتمسك بها واشنطن ومعها دول “الرباعية” التي أعلنت في وقت سابق أن جهودها تهدف إلى تحقيق السلام في السودان والمساعدة في عملية لانتقال إلى نظام سياسي مدني، يلبي تطلعات الشعب في الحرية والعدالة والسلام والعيش الكريم؟ .
هنا يكمن التحدي الكبير أمام القيادة العسكرية في بورتسودان، وخصوصاً أمام البرهان، الذي يجيد حشد المؤيدين من أنصار الحرب وتسخينهم بالخطب والتصريحات النارية التي لن تقدم حلولا منطقية وواقعية للمشكلات.
الوضع الحالي المأزوم لا يحتمل المناورة، إذ أن الضغوط الأميركية والأممية ستزداد على أطراف الحرب في سبيل ” الهدنة” الإنسانية ، ووقف النار، خصوصا بعد الفظائع وعمليات القتل بدم بارد التي ارتكبها الدعم السريع في الفاشر وبارا وفي مواقع أخرى، كما ارتكبت وترتكب مسيرات الجيش فظائع ضد مدنيين في أماكن عدة أيضاً .
وهاهو الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش يدعو من الدوحة إلى ممارسة ضغوط شديدة على طرفي الحرب، كي يستجيبا لنداءات الهدنة الانسانية ووقف الحرب لإغاثة الجياع والمرضى والمشردين.
البيت الأبيض يضغط عبر البيانات أيضاً، وفي أحدث تأكيد أميركي تزامن مع بيان اجتماع مجلس الأمن والدفاع، قال البيت الأبيض على لسان المتحدثة باسمه كارولاين ليفيت إن واشنطن تعمل مع دول أخرى لإنهاء الصراع في السودان، وأن الولايات المتحدة تنخرط بنشاط في الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سلمي للصراع الدائر في السودان”.
أخطر تحذير صدر هذه الأيام جاء على لسان الأمين العام للأمم المتحدة ، إذ رأى أنطونيو غوتيريش أن “الأزمة المروعة” في السودان ” تخرج عن نطاق السيطرة”.
على رغم أن هذه التحذيرات تُعبّر عن مواقف تعكس الواقع المأساوي في السودان، لكنني أرى أن الكرة ما زالت في ملعب البرهان ومجموعته العسكرية، بشأن الموافقة على ” الهدنة” ووقف الحريق المدمر في السودان، كي يتوقف شلال الدم ، وتتم إغاثة الجوعي وعلاج المرضى وإيواء المشردين داخل السودان وخارجه ،وتسكت آلة التدمير.
الهدنة ووقف الحرب ضرورة مُلحة لكبح جماح التدخلات الخارجية في شؤون السودان، ومعلوم أن دولاً عدة في المنطقة تدعم الجيش و” الدعم السريع” بل يتدفق وفقاً لمعلومات متداولة ومصادر متطابقة جيوش من ” المرتزقة” و” الإرهابيين” وتجار وسماسرة الحروب، وهؤلاء سيشكلون قنابل متفجرة حتى لو توقف القتال بين السودانيين، لأن مصالحهم ارتبطت بـ ” سوق الحرب”.
إذا كانت الهدنة ضرورة سودانية فانها أولوية أميركية أيضاً، إذ قال مستشار ترمب مسعد بولس إن ( الطرفين) رحبا مبدئياً بمقترح الهدنة.
لا استبعد موافقة البرهان على ” الهدنة” ووقف النار إذا استمر مُمسكاً بكل خيوط صناعة القرار، ولم تحدث مفاجآت.
الهدنة ووقف الحرب يشكلان الخيار الأفضل للسودانيين كافة، رغم كل المرارات والمواجع والأحقاد وسموم الكراهية المنتشرة بين أطراف الحرب وفي أوساط السودانيين حالياً.
البرهان رغم أنه أكد اليوم 6 نوفمبر 2025 أنه مستمر في السير على طريق ” الثأر” مطالب بقراءة مآلات رفض ” الهدنة” ووقف النار ، وتبعات ذلك البشعة على شعب السودان.
السودان لن يستقر استقراراً حقيقياً ودائماً يتجاوز ” الهُدنات” إلا في مُناخ يحترم حقوق السودانيين كافة ، في السلام والحرية والعدالة والعيش الكريم.
هذا المُناخ يحاربه بشدة واستماتة أمراء الحرب وسماسرتها، ويرفضه سارقو موارد السودان وثرواته، ويضع العراقيل أمامه المتمترسون خلف شعارات الآيدولوجيا ، في زمن تنهض فيه الشعوب والأمم بالاحتكام إلى المصلحة الوطنية، لا الشعارات ولغة العنتريات المتبادلة بين أبناء الوطن الواحد.
الخروج من الكبوة لن يتم الا إذا تمت مراجعة الأطراف كافة لخطاها وتصحيح المواقف التي أدت للحرب والاعتراف بها، وتجاوز حالة الأسر الضارة التي تفرضها الانفعالات وموجات الغضب العارم.
الشفافية والصدقية والخطاب السياسي العاقل والحكيم وقراءة الواقع والتحديات المحلية والخارجية من الشروط الضرورية لبلورة رؤية تتجاوب مع الدعوات والمناشدات الإقليمية والدولية الايجابية للخروج من الأزمة.
أي أن البرهان يواجه الآن تحدياً جديداً فرضه قيول ” الدعم السريع ” بمقترح الهدنة ووقف النار.
في غياب التفاعل مع مقترح ” الرباعية” فان الأوضاع مفتوحة على كل الاحتمالات.

