محمد المكي أحمد:
كثفت قطر مساعيها لنزع فتيل انفجار جديد في منطقة الخليج بين أميركا وإيران، خصوصا غداة عقد واشنطن و طهران جولة محادثات غير مباشرة في سلطنة عمان، التي تلعب دورا مهما وايجابيا في هذا الشان ، وهي بلد يحظى باحترام وثقة أميركا وإيران.
أما الدور القطري فقد كان وما زال فاعلا ، في ضوء علاقة تواصل وتفاهم قوية، تتمتع بها القيادة القطرية مع القيادتين الأميركية والإيرانية.
وتجلى أحدث دليل وتأكيد في هذا الشأن في تطورين مهمين، ومتزامنين،، أولهما تجسد في اتصال هاتفي جرى بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد والرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم.
التطور الثاني عكسته زيارة “أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بالجمهورية الإسلامية الإيرانية” الدكتور علي لاريجاني للدوحة ، حيث بحث، اليوم ، قضية الساعة مع الشيخ تميم.
وأعلنت قطر أن القيادتين الأميركية والقطرية ” تبادلتا وجهات النظر حول أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، لا سيما تطورات الأوضاع الراهنة في المنطقة ( في إشارة ضمنية للأزمة الراهنة بين أميركا وإيران) والجهود الدولية الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الأمن والسلم الإقليميين”.
ووفق وكالة الأنباء القطرية:” جرى التأكيد على أهمية مواصلة التنسيق والتشاور إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك، ودعم المساعي الدبلوماسية الهادفة إلى معالجة الأزمات عبر الحوار والوسائل السلمية”.
وقالت الدوحة:” تم استعراض العلاقات الاستراتيجية بين البلدين الصديقين، وسبل دعمها وتطويرها في مختلف المجالات”.
وبشأن التطور الثاني، وبحسب الديوان الأميري فان أمير قطر استقبل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بالجمهورية الإسلامية الإيرانية وجرى “استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها، بالإضافة إلى مناقشة تطورات الأوضاع في المنطقة، والجهود المبذولة لخفض التصعيد وتعزيز الأمن الإقليمي، إلى جانب عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.”
وفي تأكيد على ما يوليه البلدان من اهتمام بملف الساعة، شارك في اللقاء “رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني ورئيس الديوان الأميري عبدالله بن محمد الخليفي وعدد من كبار المسؤولين.”
وحضر مقابلة تميم ولاريجاني من الجانب الإيراني نائب الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الدكتور علي باقري، ، و مساعد وزير الخارجية علي بك ، وعدد من كبار المسؤولين “.
وكان لاريجاني التقى في الدوحة رئيس الوزراء وجرى ” استعراض الجهود المستمرة لخفض التصعيد في المنطقة، ونتائج مفاوضات مسقط بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية”.
وذُكرت الدوحة أن رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، القطري جدد خلال المقابلة”دعم دولة قطر لكافة الجهود الهادفة لخفض التوتر والحلول السلمية بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.”
وشدد على “ضرورة تكاتف الجهود لتجنيب شعوب المنطقة تبعات التصعيد، واستمرار التنسيق مع الدول الشقيقة والصديقة لتجاوز الخلافات بالوسائل الدبلوماسية”
ويكتسب مضمون الاتصال الهاتفي بين ترمب وتميم وما دار في لقاء لاريجاني مع الأمير ورئيس الوزراء القطري أهمية حيوية، في ضوء تمسك أميركا وإيران حتى الآن بخيار التفاوض رغم استمرار التهديدات المتبادلة.
وكان ترمب أعلن غير مرة حرصه على الحوار مع التهديد بخيار الحرب اذا فشلت المفاوضات.
وكانت إيران أعلنت في 3 فبراير الجاري أنها وافقت على التفاوض مع أميركا “استجابة لحكومات صديقة بالمنطقة”.
وتأتي قطر والسعودية وسلطنة عمان في صدارة الدول التي تبذل جهودا مكثفة مع الجانبين الأميركي والإيراني في سبيل حل الأزمة الحالية بين واشنطن وطهران عبر المفاوضات.
وشكّل احتضان العاصمة العُمانية مسقط جولة تفاوض بين أميركا وإيران فرصة تفتح باب أمل تتمسك بتقويته دول المنطقة الحريصة على تجنيب شعوبها زلزال حرب جديدة بين أميركا وإيران.
وبدا واضحا أيضا حرص إيران على حل تفاوضي ، إذ قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في منشور عبر حسابه على منصة “إكس”:”أصدرت تعليماتي لوزير خارجيتي، شريطة توفر بيئة مناسبة – خالية من التهديدات والتوقعات غير المناسبة – بالبدء في مفاوضات عادلة ومنصفة، مسترشدة بمبادئ الكرامة والحكمة والمصلحة”.
وأعلن في إشارة ذات دلالات مهمة أن موافقته على المفاوضات جاءت استجابة “لطلبات من حكومات صديقة في المنطقة”.
وكان ترمب كررالقول – رغم تهديداته المستمرة لإيران – أنه يأمل في في اتفاق مع إيران.
ومن جهته أطلق المرشد الإيراني علي خامنئي تحذيرا من “حرب إقليمية” إذا أقدمت أميركا على شن حرب على بلاده، وبدا واضحا أنه هذه رسالة ساخنة الى ترمب ودول المنطقة ،التي تضم قواعد أميركية، وتربطها بواشنطن مصالح حيوية واتفاقات تعاون اقتصادي وعسكري وغيرها.
شعوب ودول الخليج والمنطقة لا ترغب في حرب تضرب حياة الاستقرار وتضيف أزمات جديدة لأزمات قديمة ومستفحلة في عدد من بؤر التوتر.
التهديد الإيراني بحرب أقليمية يزعج ترمب ودول الخليج ، إذ أعلنت إيران أنها ستضرب القواعد الأميركية في المنطقة في حال شن ترمب الحرب على طهران.
وبدا واضحا في خضم كل هذه التفاعلات أن إيران تحرص على التفاوض وتجنب حرب جديدة لا يعرف أحد كيف ستكون نتائجها هذه المرة، في ضوء القوة الأميركية الكبيرة والقادرة على الإضرار بايران وضرب مفاصل النظام في طهران.
لكن واشنطن واسرائيل تخشيان من القوة الصاروخية الإيرانية الضاربة، إذ أن صواريخ طهران الباليستية قادرة على ضرب مواقع ومصالح أميركية في المنطقة، كما أن نشوب حرب جديدة لا يعني أن من يشنها يستطيع أن يضع حدا لتداعياتها.
كل هذا يعني أن الحل الذي تفضله وتسعى من أجله قطر والسعودية وسلطنة عمان وتلقي بثقلها في سبيل تحقيقه هو المخرج الدبلوماسي، عبر حوار يُجنّب المنطقة الحرب والدمار وضرب الاستقرار السياسي والاقتصادي.
يمكن القول في هذا السياق إن المشكلة بين أميركا وإيران لم تعد تكمن في المسألة النووية الإيرانية ، لأن طهران أكدت غير مرة أن “عقيدتها” لا تتضمن السعي لسلاح نووي، كما أن ترمب ضرب منشآت نووية إيرانية في حرب مشتركة خاضها مع إسرائيل، وتسببت في أضرار كبيرة أصابت تلك المنشآت.
وبالإضافة لذلك فان طهران أعلنت أنها مستعدة للتفاوض بشان نسبة تخصيب اليورانيوم، وهذه ورقة تقدمها إيران لجذب واشنطن إلى طاولة التفاوض.
عقدة المفاوضات الكبرى تكمن في السلاح الصاروخي الإيراني عابر الحدود والقارات، وقد أعلنت إيران أن المسألة الصاروخية غير قابلة للتفاوض.
كل هذه التفاعلات تؤكد خطورة الوضع في الخليج، في ضوء الحشد الأميركي، وما يمكنه أن يفاجيء به الرئيس ترمب دول العالم، سلما مع إيران أو حربا، هو أمر مفتوح على كل الاحتمالات.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أن دعم ترمب الشديد للتظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي هزت الشوارع الإيرنية قبل أيام، احتجاجا على صعوبة الأوضاع الحياتية الصعبة يؤشر إلى أن الإدارة الأميركية تراهن إلى جانب الضغط السياسي والتهديدات عبر البيانات والمفاوضات والحشد العسكري في الخليج على ورقة تغيير النظام الإيراني من الداخل وبدعم أميركي بفرض عقوبات إضافية وحصار اقتصادي انهك ايران وقد يتسبب في أزمات أكبر .
هذا أيضا يعني – كما تؤشر تجارب سابقة- إلى صعوبة وربما استحالة اسقاط النظام الايراني بضربات عسكرية من الخارج.
لكن هذا الأسلوب أي خيار الضربات العسكرية ربما يؤدي إلى فوضى داخل إيران، وهذا ما لا تريده دول الخليج لأنه سينعكس على استقرارها، وسيصيب أيضا المصالح الأميركية بأضرار.
هذا معناه أيضا أنه من دون تنازلات جوهرية يقدمها الجانبان الإيراني و الأميركي فان الوضع في إيران والخليج سيواصل حالة الإضطراب، والشد والجذب وإهدار الطاقات والموارد، وإشاعة أجواء الخوف والهلع الشديد من ضربات لا أحد يعرف توقيتها ومتى تنتهي وما هي نتائجها وتأثراتها السلبية على الوضع في الخليج..
هنا يمكن ان التساؤل ، إذا لجأت أميركا إلى خيار ضرب إيران ، هل تحدث ضربة عسكرية من الخارج أم يتم اللجوء إلى أسلوب جديد يركز على تقديم دعم أميركي لجهة محلية تسعى لضرب طهران من الداخل الإيراني .
خلاصة الرأي، إذا لم تنجح مفاوضات مسقط بين واشنطن وطهران ولم يستجب ترمب لجهود قطر والسعودية وسلطنة عُمان فان الأوضاع مفتوحة على كل الاحتمالات، وكلها احتمالات سيئة لأنها قد تدخل المنطقة كلها في مسلسل أزمات متعددة الأشكال والأنواع .
الأفضل لكل الأطراف أن تنجح مفاوضات مسقط.
لكن هل يقتنع ترمب بالخيار السلمي، ويقنع صديقه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين بأهمية خيار التفاوض مع إيران احتراما لموقف حلفاء واشنطن في الخليج أم ينجح نتانياهو في قلب المعادلات في لقائه مع ترمب في واشنطن اليوم ، ويدفع بخيار مواجهة خاسرة لكل الأطراف؟
بمعنى آخر، هل ينحاز ترمب مجددا إلى موقف نتانياهو أم يراعي هذه المرة مصالحه في الخليج ومصالح ” شركائه” في دول مجلس التعاون الخليجي وشعوب المنطقة التي تراقب التطورات بقلق شديد؟

