مقالات

مهدي داود الخليفة يكتب: هل أقنع بيان نيروبي السودانيين؟

الشارع السوداني اليوم يريد إجابات مباشرة عن أسئلة الحياة والموت.. السودان تجاوز مرحلة الشعارات الكبرى ودخل مرحلة الأسئلة القاسية

مهدي داود الخليفة: 

في لحظةٍ تاريخية يتداعى فيها السودان تحت وطأة الحرب والانقسام والمجاعة والانهيار المؤسسي، كانت جماهير الشعب السوداني تنتظر من القوى السياسية والمدنية المجتمعة في نيروبي خطاباً مختلفاً؛ خطاباً يتجاوز اللغة العاطفية والشعارات الثورية إلى وضوحٍ سياسي وقانوني يُسمّي الأشياء بأسمائها، ويضع خارطة عملية قابلة للتنفيذ لوقف الحرب وإنقاذ الدولة.

غير أن البيان الختامي الصادر عن “قوى إعلان المبادئ السوداني – نحو بناء وطن جديد” جاء حاملاً قدراً كبيراً من البلاغة السياسية، لكنه في المقابل ترك أسئلة جوهرية بلا إجابات واضحة، الأمر الذي يفرض قراءة نقدية متأنية من زاويتين:

الأولى تتعلق بمدى قدرته على إقناع الشارع السوداني المنهك بالحرب، والثانية بمدى قابليته للحصول على دعم عملي من المجتمعين الإقليمي والدولي.

لا يمكن إنكار أن البيان كُتب بلغة سياسية وأدبية عالية، تحمل روح الثورة السودانية وخطابها الأخلاقي، خاصة في توصيف المأساة الإنسانية وآثار الحرب على المدنيين. كما يُحسب له أنه:

* أدان الحرب بوصفها كارثة وطنية.

* حذر من خطر التقسيم والتشظي.

* رفض خطاب الكراهية والعنصرية.

* دعا إلى بناء جبهة مدنية واسعة.

* أكد على الانتقال المدني الديمقراطي.

لكن المشكلة الأساسية أن البيان ظل أقرب إلى “إعلان نوايا سياسي” منه إلى وثيقة ضغط حقيقية لوقف الحرب.

فالشارع السوداني اليوم لا يبحث فقط عن اللغة الملهمة، بل يريد إجابات مباشرة عن أسئلة الحياة والموت:

  • كيف ستتوقف الحرب؟
  • من المسؤول عنها تحديداً؟
  • ما هي آليات حماية المدنيين؟
  • كيف ستُفتح الممرات الإنسانية؟
  • من سيُحاسب على الجرائم؟
  • وما هو موقف هذه القوى من الانتهاكات اليومية التي يرتكبها طرفا الحرب؟

وهنا تظهر الفجوة بين لغة البيان وتوقعات الناس.

رغم أن البيان أشار إلى أن “طرفين يتناحران على أجساد بني السودان”، إلا أنه تجنب بصورة واضحة وصريحة تسمية المسؤوليات القانونية والسياسية المباشرة للطرفين:

القوات المسلحة السودانية.

قوات الدعم السريع.

وهذا التردد يُضعف مصداقية أي خطاب مدني يدّعي الوقوف على مسافة واحدة من الحرب.

فالقانون الدولي الإنساني لا يعترف بالعموميات، بل يقوم على تحديد المسؤولية الفردية والمؤسسية عن:

* استهداف المدنيين،

* القصف العشوائي،

* التجويع،

* التهجير القسري،

* العنف الجنسي،

* تجنيد الأطفال،

* تدمير البنية التحتية،

* وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

كان مطلوباً من البيان أن يقول بوضوح:

إن كل الانتهاكات المرتكبة من الجيش والدعم السريع تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تستوجب التحقيق والمحاسبة دون حصانة أو استثناء.

هذه اللغة هي التي تمنح أي مشروع مدني احتراماً داخلياً ومصداقية دولية.

أما الاكتفاء بإدانة فضفاضة للحرب، مع التركيز الأكبر على الإسلاميين والمؤتمر الوطني، فقد يجعل قطاعات واسعة ترى أن البيان ما زال أسير الاصطفافات السياسية القديمة، وغير قادر على بناء خطاب وطني جامع.

أبرز مواطن القصور في البيان أنه تحدث كثيراً عن “العملية السياسية” لكنه لم يقدم تصوراً عملياً ومحدداً لوقف الحرب فوراً.

الشعب السوداني اليوم لا ينتظر فقط الحديث عن “الانتقال المدني”، بل يريد خطوات عاجلة مثل:

1-وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار مع آليات رقابة دولية وإقليمية واضحة.

2- فتح الممرات الإنسانية بضمانات ملزمة وتحت إشراف أممي.

3- حماية المدنيين عبر نشر مراقبين دوليين أو آليات حماية متفق عليها.

4- إطلاق سراح المعتقلين والمختطفين من كل الأطراف.

5- تجريم خطاب الكراهية والتحريض ومحاسبة المحرضين إعلامياً وسياسياً.

6- إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة في جرائم الحرب والانتهاكات.

7- وضع جدول زمني واضح للعملية السياسية والانتقال المدني.

هذه القضايا هي التي كانت ستجعل البيان أكثر التصاقاً بمعاناة الناس اليومية.

المجتمع الدولي لا يدعم البيانات الإنشائية، بل يبحث عن:

  • رؤية عملية،
  • آليات تنفيذ،
  • شركاء موثوقين،
  • وخطاب قانوني واضح.

ورغم أن البيان تحدث عن “توحيد المنابر” و”الملكية الوطنية”، إلا أنه لم يوضح:

* كيف سيتم إشراك القوى المسلحة؟

* ما هي الضمانات التنفيذية؟

* ما هو الموقف من العقوبات الدولية؟

*?كيف سيتم التعامل مع العدالة الانتقالية؟

* هل هناك قبول بآليات دولية للمحاسبة؟

* ما هو تصور إعادة بناء الجيش؟

* كيف ستتم معالجة قضية المليشيات؟

كما أن الحديث عن “ذوبان كل الجيوش والمليشيات” في جيش وطني، رغم صحته المبدئية، ظل خطاباً عاماً بلا تفاصيل عملية أو زمنية، في وقت أصبحت فيه قضية إصلاح القطاع الأمني والعسكري من أعقد ملفات السودان.

من أكثر الأمور اللافتة غياب أي رؤية اقتصادية أو إنسانية واضحة، رغم أن السودانيين يعيشون:

  • مجاعة متصاعدة،
  • انهياراً صحياً،
  • بطالة هائلة،
  • وانهيار العملة والخدمات.

كان ينبغي أن يتضمن البيان:

* خطة إسعافية عاجلة،

* نداءً دولياً لإعادة الإعمار،

* آلية لإدارة المساعدات بشفافية،

* رؤية لإعادة التعليم والخدمات،

* وضمانات لعودة النازحين واللاجئين.

فالدولة لا تُبنى بالشعارات السياسية وحدها، بل بإجابات عملية عن حياة الناس.

لكي يتحول البيان من نص سياسي جيد الصياغة إلى وثيقة تاريخية مؤثرة، كان ينبغي أن يتضمن بوضوح:

* إدانة قانونية صريحة للطرفين باعتبار الانتهاكات جرائم حرب.

* إعلان موقف واضح ضد عسكرة السياسة

* ورفض استخدام المدنيين وقوداً للحرب.

* خارطة زمنية مفصلة لوقف الحرب والانتقال المدني.

* رؤية اقتصادية وإنسانية عاجلة لإنقاذ البلاد من المجاعة والانهيار.

* آلية عدالة انتقالية تشمل المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.

* تصور عملي لإعادة بناء الجيش على أسس وطنية ومهنية.

* ضمان مشاركة النساء والشباب والنازحين في العملية السياسية.

* دعوة لمؤتمر سلام سوداني جامع تحت رعاية إقليمية ودولية متوازنة.

*موقف واضح من التدخلات الخارجية وتمويل الحرب والسلاح.

المشكلة الكبرى في كثير من الخطابات السياسية السودانية أنها ما تزال تخاطب الوجدان الثوري أكثر مما تخاطب واقع الدولة المنهارة.

لقد تجاوز السودان مرحلة الشعارات الكبرى، ودخل مرحلة الأسئلة القاسية المتعلقة ببقاء الدولة نفسها.

ولهذا فإن أي مشروع سياسي يريد إقناع السودانيين اليوم لا يكفي أن يتحدث عن “الوطن الجديد”، بل يجب أن يشرح كيف سيوقف الموت، ويعيد الخبز والدواء والتعليم والأمن والعدالة. فالناس لا تريد فقط من يُدين الحرب… بل من يملك الشجاعة والرؤية والآليات لإنهائها.

وما لم تتحول القوى المدنية من حالة “الخطابة السياسية” إلى مشروع وطني عملي متكامل، فإن خطر التشظي والانهيار سيظل أكبر من كل البيانات، مهما كانت بلاغتها وقوة لغتها.

مشاركون في مؤتمر نيروبي

مقالة مختارة

في 27 مارس 2026  كتبت تعليقا، عن  نشري مقالة  كتبها الدكتور أحمد عثمان عمر، في موقعي الإلكتروني، بعنوان (عودة “لجنة تفكيك وإزالة التمكين” في السياسة والقانون) و قلت إنني  أنشر في ( إطلالة) آرائي ومساهماتي القديمة والجديدة  ،  لكنني أختار من وقت لآخر مقالة  تحليلة، أرى أنها رصينة  ومفيدة  لكاتب أو كاتبة عن قضية من قضايا الساعة ، أو أية مسألة تحظى باهتمام سوداني أو إقليمي أو دولي.

وفقاً لهذه الرؤية والمعيار المهني، أستضيف اليوم الأستاذ مهدي داود الخليفة، وأرى أن حروفه الخضراء تتسم بتحليلات متميزة بفكر ثاقب، وتفكير عميق، ورأي سديد و جاد، ولغة محترمة، تُشخص القضايا، وتسمو  بمفردات خطابها  ، ولا تغرق في وحل المهاترات، والتهريج، والشتائم المنشرة بكثافة هذه الأيام  بين عدد من السودانيين ، في أجواء الحرب المسمومة والمشحونة  بالأحقاد، وأمراض الكراهية ، والفرز العنصري البغيض، والمدمر للأواصر بين السودانيين .

أرى أن كتابات الأستاذ مهدي، محترمة، مفيدة، تخاطب العقول، وتعكس خبرته السياسية، ومستوى وعيه، وشخصيته المتوازنة، ويسعدنا  نشر ما كتبه بعنوان “هل أقنع بيان نيروبي السودانيين” ليطلع عليه قراء ” إطلالة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *