لندن – ( إطلالة)
رسمت شهادت جمعتها الأمم المتحدة صورة قاتمة عن الأوضاع في السودان، بسبب حرب المسيرات ، وسوء الأوضاع الصحية التي روى تفاصيلها مدير مستشفى الأُبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، كما روت كبيرة القابلات تفاصيل مأساوية عن حال أمهات وأطفال يحصدهم الموت .
وأكدت المنظمة الدولية أن في ولايتي شرق دارفور وشمال كردفان السودانيتين، تتكشف الصورة القاتمة لانهيار النظام الصحي.
وقالت إن المرافق الطبية لم تعد قادرة على أداء دورها في ظل تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة واتساع رقعة النزوح.
وجاء في تقرير أممي في هذا الشأن أن شهادات جمعها صندوق الأمم المتحدة للسكان من أطباء وكوادر صحية، رسمت ملامح واقع يزداد قسوة يوما بعد يوم، وتكشف عن فجوات خطيرة في الحصول على الرعاية المنقذة للحياة.
وأشارت الأمم المتحدة أن في مدينة الضعين بشرق دارفور، أدى هجوم بطائرة مسيرة إلى توقف المستشفى التعليمي الرئيسي عن العمل بالكامل، وهو ما يصفه الدكتور بدر الدين عبد النبي، مدير منطقة شرق دارفور وغرب كردفان في منظمة ألايت الدولية غير الحكومية المعنية بالصحة بالقول: “بعد الهجوم بطائرة مسيرة على مستشفى الضعين التعليمي، توقف المستشفى عن العمل تماما، وقد أدى ذلك إلى فجوة حادة في الحصول على الرعاية الصحية المنقذة للحياة في جميع أنحاء المنطقة”.
وقال المسؤول الطبي إن هذا التوقف المفاجئ لم يترك أمام السكان سوى خيارات محدودة، حيث تم تحويل الخدمات الأساسية إلى مركز رعاية أولية واحد .
وجاء في التقرير الأممي أن “منظمة ألايت تدخلت للمساعدة في سد هذه الفجوة الحرجة من خلال تفعيل خدمات الطوارئ الشاملة للتوليد ورعاية حديثي الولادة في مركز العرب، وهو حاليا المرفق الوحيد العامل الذي يقدم خدمات الصحة الجنسية والإنجابية في جميع أنحاء الولاية”.
الوضع الصحي في شمال كردفان

وجاء في التقرير أن في شمال كردفان، لا يبدو الوضع أفضل حالا، فمدينة الأبيض – التي تستضيف أعدادا كبيرة من النازحين – تواجه هجمات متكررة أثرت بشكل مباشر على المرافق الصحية، بما فيها مستشفى الأُبيض للولادة، الذي يُعد المستشفى المرجعي الوحيد في غرب السودان.
ويقدم مستشفى الأُبيض خدماته لأكثر من 230 ألف نازح، معظمهم من النساء والفتيات.
ويقدم المستشفى خدمات صحة الأم والطفل للنساء في المدينة والمناطق المحيطة بها. وفي شهر واحد فقط، سجل المستشفى ما معدله 25 حالة ولادة يوميا. وفي عام 2025، أجرى المستشفى 2655 عملية قيصرية و3479 ولادة طبيعية.
وعن حجم التحديات قال مدير مستشفى الأُبيض، الدكتور حسن بابكر: إن “المستشفى يعمل في ظروف بالغة الصعوبة، بما في ذلك انقطاع التيار الكهربائي المتكرر وارتفاع تكاليف الوقود”.
وقال إنه رغم الدعم الذي يقدمه صندوق الأمم المتحدة للسكان، خاصة في مجال الطاقة الشمسية، لا تزال الإمكانيات ضعيفة .
وأضاف أن النقص الحاد في المعدات والمستلزمات يفاقم الأزمة إذ :”يحتوي المستشفى على سبع غرف عمليات، ولكن أربعا منها فقط تعمل حاليا، وقد حدثت وفيات للأمهات نتيجة مضاعفات متعلقة بالتخدير.
وتابع :”نواجه نقصا كبيرا في المضادات الحيوية والخيوط الجراحية والقفازات وقد فقد بعض المرضى حياتهم بسبب طول فترات الانتظار”.

وفي بعض الحالات الطارئة، حسبما يقول الدكتور حسن بابكر، يصبح غياب الإمكانيات مسألة حياة أو موت.
ولفت أن من بين أكثر الشهادات إيلاما، تلك المتعلقة بحالة توائم خدّج لم تتوفر لهم الرعاية اللازمة: “أنجبت أم توأما ثلاثيا، جميعهم خُدّج واحتاجوا إلى رعاية مركزية، أُحيلوا إلى مستشفى الأطفال، لكن لم تكن هناك أسرة متاحة، اضطررنا لمشاهدة الأطفال يموتون أمام أعيننا”.
وأضاف :” توفي اثنان من الأطفال الثلاثة، وغادر الثالث مع أمه، لكننا فقدنا الاتصال به ولا نعرف مصيره”.
ولا تقتصر المعاناة على المرضى فقط، بل تشمل أيضا الكوادر الصحية التي تواصل العمل رغم الظروف القاسية. وفي ظل نقص المستلزمات، تجد بعض القابلات أنفسهن مضطرات لتحمل التكاليف، حسبما تقول السيدة إنصاف، كبيرة القابلات في مستشفى الأبيض للولادة.
قالت:” الرواتب التي نتقاضاها لا تكفي حتى لتغطية تكاليف المواصلات الأساسية أو الوجبات التي نحتاجها خلال نوبات عملنا، مع ذلك، نواصل الحضور إلى المستشفى بدافع من شعورنا العميق بالواجب، فلم نتوقف عن العمل قط.
أضافت :”في كثير من الأحيان، تصل النساء دون القدرة على شراء مستلزمات الولادة الأساسية، فنضطر إلى دفع ثمنها من نفقتنا الخاصة. إضافة إلى ذلك، لا نملك زيا رسميا مناسبا للعمل في المستشفى، ونضطر إلى ارتداء ملابسنا الشخصية، وهو أمر غير ملائم لبيئة طبية”.
أما بيئة العمل داخل غرف الولادة، فتصفها ليلى سارفو، مشرفة القسم، بقولها: “لا توجد لدينا طاولات لوضع المواليد الجدد عليها، كما لا نملك معدات كافية لمكافحة العدوى.
أضافت أن وحدات تعقيم الأدوات الجراحية معطلة، نفتقر إلى المستلزمات الأساسية مثل القطن والشاش المعقم، ولا نملك حتى ميزانا للأطفال، لا يوجد تكييف في غرف الولادة، مما يجعل ظروف العمل صعبة للغاية. تفتقر غرف الولادة أيضا إلى أي شكل من أشكال الخصوصية، وتحتاج إلى فواصل مناسبة لضمان سرية وكرامة المريضات”.
ورغم كل ذلك، تؤكد أن المستشفى يستمر في استقبال النساء والفتيات النازحات من مختلف المناطق، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات وتتراجع فيه الإمكانيات.

