
محمد المكي احمد:
فُجع أهل بارا، أهلي، وهم حاليا ، في مواقع الشتات داخل السودان ، وخارجه ، برحيل هرمين، وقامتين، ورمزين شامخين، من رموز المجتمع .
رحل العم، والمعلم الجليل، الانسان الرائع ، والنبيل، خليل إسماعيل (الماذون) يوم الثلاثاء، 24 فبراير الجاري، ثم رحل أمس الخميس 26 فبراير، العم، المعلم القدير، مربي الأجيال ، والرجل النبيل، مكي الأعيسر.أحزنني وأوجعني رحيلهما، لأسباب عدة..
منذ تاريخ قديم أُكن للرجلين احتراما وتقديرا ومحبة.
منذ الصغر في قلبي وعقلي تقدير واحترام للرجلين، و حينما عدت لبارا وللسودان بعد سنوات عدة سادها غياب اضطراري في أزمنة القمع والمطاردة للكلمة الحرة، كنت أسعد بلقاء الرجلين، واحس بدفء المشاعر، وتمّيز النبض الانساني، الجميل .
الرجلان من جيل كبارنا الراحلين في بارا، الذين لا يُعوض رحيلهم..
خليل ومكي من تركيبة آبائنا و أجدادنا ، الذين تميزوا بدفء الدواخل والشهامة، والقدرة على العطاء النافع .
الرزانة قاسم مشترك بينهما..
كان خليل ومكي معلمين متميزين، ساهما مساهمات فاعلة في تعليم وتربية أجيال شبت عن الطوق، وباتت مصدر فخر،لأهلهم في البيت “الباروي” الكبير.
القاسم المشترك بين العم خليل والعم مكي يكمن أيضا في وقار محسوس وملموس، ورزانة طبيعية وغير مصطنعة.
سمة الرصانة هي بنت الفطرة الانسانية النابعة من قلبين أخضرين وعقلين كبيرين ، ومن بيتين وأسرتين عريقتين، بحضورهما الفاعل في المجتمع.
وما أكثر البيوت العريقة في بارا، وما أروع ساكنيها، الذين حافظوا ويحافظون على تماسك المجتمع وتفاعل الناس ، وتواصلهم الحميم.
من القواسم المشتركة بين الراحلين أنهما ملء السمع والبصر في مدينتهم الخضراء التي تصحو على صوت آذان الفجر ومع صوت سريان المياه و الحياة في “السواقي” الخضراء، النضرة، التي اشتهرت بـ”ليمونها”، الذي حمل اسم المدينة ( ليمون بارا) التي تميزت بانتاجها الأخضر، الذي يُغذّي سوقا في الأُبيّض ومناطق أخرى.
بصماتهما في مجتمع بارا ملموسة وحيوية، وعلى سبيل المثال كانا مصدرين من مصادر العطاء الاجتماعي والثقافي، الذي يضفي مناخ الحيوية في المجتمع ، وينشر قيما التواضع في مجتمع بارا الذي يُشكل التفاعل بين ساكنيه سمة من أروع سمات الناس هناك، في زمن ما قبل الحرب .
تتجلى المشاهد الحيوية في تواصل الناس ، وحرصهم على التلاقي الحاشد ، الجميل، الذي يرسم لوحة سودانية ، تشكيلية، خصوصا في زمن الأفراح والأتراح .
بارا، تاريخيا، هي حضن دافيء لكل أبناء وبنات السودان .. باختلاف أعراقهم .. وتوجهاتهم .
رحل خليل .. ورحل مكي .. وبقيت بارا تتوجع بل تئن من وطأة الحرب.. وبات انسانها حزينا ومشردا في زمن القتال داخل المدن بالمُسّيرات.!
كلنا راحلون ، ونؤمن أيمانا لا يتزعزع بأن ” كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ
الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾” ونؤمن بقوله تعالى “وما تدري نفس بأي أرض تموت“.
رغم هذا الايمان العميق ، تبدو أهمية الإشارة إلى أن الراحلين اضطرا بسبب الحرب الى الخروج من بارا ، وقد خرج كثيرون بسبب الحرب والقتل والتدمير، حيث انقطعت حتى اليوم أخبار المدينة بالعالم.
خليل اسماعيل تُوفي في الأبيض التي يسود أوساط سكانها قلق من شظايا الحرب وتمدد لهيبها في مناطق بكردفان، وبينها بارا التي تحولت الى ساحة اقتتال شنيع ، فغادرها أهلها مضطرين وموجوعين.
مكي الإعيسر غادر دنيانا في أم درمان ..
نحن في زمن شتات الحرب، في زمن تشردت فيه الأسر، وأجبرت فيه الحرب، كبارنا ، والرجال والنساء ، والشباب، على الرحيل القسري .
في بارا هناك من تعرض للبطش، والقمع، والقتل ، فسالت دماء شباب، هم وهن في ريعان الشباب.
مأساة الحرب انتشرت في أماكن عدة في السودان ، هذه مأساة تاريخية غير مسبوقة، أفرزت المواجع والأحزان ، التي لا يمحوها تقادم الأيام.
من أسوأ نتائج الحرب أنها شردت كبارنا، وأذلت أهلنا، وعرضتهم لحياة الذل والفاقة والمرض والموت خارج ديارهم .
بات من العسير، بل صار من سابع المستحيل أن ترافق جثامين الراحلين في بارا حشود ترافقهم إلى المقبرة، كما لم يعد ممكنا أن تجتمع حشود التأبين في مواقع عدة في السودان.
الحرب دمرت الانسان وشردته وأذلته، وضربت قيماً جميلة وفرضت أساليب قبيحة، هي نتاج الحرب..
سوداننا، المنكوب بممارسات بعض أبنائه ، يتوق إلى الاستقرار والأمن والأمان ويحتاج إلى حُكّام يحكُمون بالعقل لا بالبندقية، ويحترمون كرامة الانسان السوداني، وتطلعاته وحقوقه الانسانية في الاستقرار و حياة العيش الكريم ،ولا يسقطون في وحل ” الأنا”.
بارا قبل الحرب كانت مثالا رائعا للتواصل والتلاقي والتعبير عن جماليات الوجدان الأخضر، وكانت مثالا لحياة آمنة ، ومستقرة، و كانت أبواب بيوت كثيرة لا تُغلق ليلا أو نهارا .
لكن ماذا نقول لهواة الحرب وعشاق سفك الدماء ؟
خاطبهم أمس مفوض الأمم المتحدة لحقوق الانسان فولكر تورك، في سياق حديثه في منصة دولية، وليتهم استمعوا لكلماته التي تهز أي وجدان حي، ليتهم يسمعون النصح الذي تتردد أصداؤه في دول عدة .
قال تروك ” لا أعرف كيف يهنأ بالنوم ليلا من يقودون هذا الجنون أو ينتفعون منه”؟ وهو يعني “أمراء” الحرب والمستفيدين من اشتعال نيرانها و استمرار لهيبها الحارق، والقاتل .
آلام السودانيين يصعب وصفها ، وهي غير مسبوقة لا في السودان بل في العالم، إذ أن السودان يعاني وفقا للأمم المتحدة ومنظمات دولية مستقلة من أسوأ كارثة انسانية في العالم .
نسأل ” رب المشرقين والمغربين” أن يعين شعب السودان، وأن تتوقف الحرب ، ليعود كل الناس إلى بيوتهم “.
نسأل ” الذي بيده ملكوت كل شيء واليه ترجعون ” أن يرحم الراحلين ،الكبيرين مكانة ودورا، خليل و مكي، رحمة واسعة، ويسكنهما فسيج جناته مع الصديقين والشهداء .
ندعو ” فالق الحب والنوى” أن يرحم جميع من فقدناهم في هذا الزمن البائس الذي تسبب فيه أشرار. التعازي لأبناء وبنات خليل الماذون ، محمد ، صفية، اشراقة، أمل، أمنة، أفراح، إيمان، الطاف، والأهل .
التعازي لأخواني واخواتي أبناء وبنات مكي الاعيسر، مظفر، معمر،منتصر، وفاء ، هناء، نهى، سميرة، والأهل.
التعازي لأهلنا في بارا والأُبيّض، وفي كل مواقع النزوح داخل السودان، وفي دول العالم، حيث اتسعت مجتمعات الشتات السوداني، منذ انفجار الحرب في 15 أبريل 2023، وما زال لهيبها يحرق الناس، و يدمر السودان ، ويشعل نيران الكراهية والأحقاد .
لا حول ولا قوة الا بالله
لن نقنط من رحمة الله..
“إنا لله وإنا إليه راجعون”.

