محمد المكي أحمد:
في حدث غير مسبوق، في بريطانيا، وغير معهود في أوساط العائلة الملكية، وفي أوساط عدد كبير من زعماء العالم الذين يصابون بامراض خطيرة كغيرهم من الناس، أطل ملك بريطانيا تشارلز الثالث مساء أمس الجمعة 12ديسمبر 2025 على ملايين المشاهدين عبر رسالة تلفزيونية وخاطب قلوب الناس وعقولهم .
وجّه الملك رسالة ذات أبعاد ايجابية ، ودلالات حيوية، ومهمة ، بشأن رحلة علاجه من السرطان.
أرى أن إن إقدام الملك على الحديث عن رحلة علاجه مع السرطان، في بث فضائي خطوة قيادية وانسانية ايجابية، و تكشف شفافية غير مسبوقة في بريطانيا، وفي دول عدة في العالم، وخصوصا في دول العالم الثالث .
عدد من قادة العالم يضربون أسوارا من التكّتم بشأن أمراضهم، وكأنهم يختلفون عن بقية البشر. هم يمرضون كما يفرحون، ويتألمون كما يسعدون بمواقعهم الرفيعة، المحاطة بالحواجز والحراس، لكنها ليست محصنة من الأمراض العادية أو الخطيرة التي تصيب عامة الناس، وتصيبهم.
تشارلز الثالث كسر قاعدة الصمت، وارتاد آفاق الشفافية الرائعة ، وخاطب شعبه والعالم.
تمثلت خطوة الشفافية الأولى حينما أعلن عن إصابته بالسرطان في فبراير 2024. وكان تم اكتشاف المرض بعدما خضع لعملية جراحية لعلاج تضخم البروستاتا في يناير من ذلك العام ، وفقا لما أعلنه القصر الملكي، لكن لم يتحدث الملك عن نوع السرطان الذي أصابه.
أطلق الملك أمس الخبر الذي أحدث أصداء واسعة في بريطانيا، إذ أعلن أن علاجه من السرطان سيجري تخفيفه في العام المقبل ( 2026).
مضمون الرسالة المهمة في هذا الإطار أنه عزا ذلك التطور الايجابي في صحته إلى “التشخيص المبكر، والتدخل الفعال، والالتزام بتعليمات الأطباء.”
هنا تكمن أهم رسالة وجهها للناس في بريطانيا، إذ دعاهم إلى التشخيص المبكر للمرض ، ورأى في رسالته التي تحمل تنيها وتحذيرا أن “التشخيص المبكر ببساطة ينقذ الأرواح”.
دعوته إلى التشخيص المبكر لم تكن نظرية بلا أسانيد وبراهين، إذ قال “أعلم مدى الفرق الذي أحدثه ذلك في حالتي الشخصية، إذ أتاح لي مواصلة عيش حياة كاملة ونشطة حتى أثناء خضوعي للعلاج”.
خاطب الناس بلغة الأرقام والتتنبيه ومشاعر القلق حينما قال إن “تسعة ملايين شخص على الأقل في بلادنا لا يجرون فحوصات الكشف المتاحة لهم”.
رأى أن عدم اجراء هذا العدد الكبير من الناس للفحوصات المبكرة ” يعني ضياع 9 ملايين فرصة على الأقل للتشخيص المبكر”.
رسالة الملك التلفزيونية جاءت في إطار حملة تحمل عنوان “قفوا في وجه السرطان” و تنظمها مؤسسة أبحاث السرطان البريطانية و Channel 4 قناة “تشانل 4”.
بعد وقت قصير من اصابته بالمرض، عاود الإطلالة واستأنف نشاطه في أبريل 2024.
في أول خطوة تعكس دلالات مهمة، زار ” مركز ماكميلان للسرطان” وهو يتبع لمستشفى UCLH “يونيفرسيتي كوليدج” بلندن، وتفاعل مع المرضى والأطباء.
الملك هو الراعي الجديد لمنظمة أبحاث السرطان، وهو يرعى منذ 30 سنة منظمة ماكميلان لدعم مرضى السرطان .
يحرص العاهل البريطاني على لقاء مسؤولي جمعيات خيرية تعمل في مجال مكافحة السرطان ويروى لهم تجربته مع المرض، ويؤكد دعمهم لجهودهم في مساعدة المصابين بالمرض.
شّوهد الملك في الفترة الماضية يمارس نشاطة بحيوية ، وعلى سبيل المثال شارك في قداس عيد الميلاد في 10 ديسمبر 2025.
وكان القصر أعلن في فبراير 2024 أن تشارلز الثالث بدأ “برنامج علاج منتظم” من السرطان ، وأنه سيواصل العمل من المنزل ، من دون ظهور علني.
في تسلسل الأحداث دخل المستشفى مارس 2025، لأيام قليلة بسبب ما وصف بـ “آثار جانبية” لعلاج السرطان ، ثم ظهرت خطوات النشاط في الأشهر الأخيرة، وشارك على سبيل المثال في مراسم استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي زار بريطانيا قبل أشهر، كما.زار الملك كندا في مايو 2025 والفاتيكان في أكتوبر 2025 .
هذا يعني أن تشارلز قدم درسا مهما للداخل والخارج عنوانه الأول الشفافية وقد عكست رسالته التلفزيونية هذا المعنى بأبهى صوره.
إطلالته أكدت مجددا سعيه الجاد والعملي لدعم جهود مكافحة السرطان.
وفي هذا الإطار يمكن للراغبين في دعم جهود المكافحة ورفع مستويات الوعي بأهمية التشخيص المبكر لهذا المرض أن ينخرطوا في أي ميدان يتيح لهم المساهمة في تعميق الوعي بأهمية التشخيص المبكر، و مساعدة مرضى يتألمون في دول لا تقدم الرعاية المطلوبة لمرضى السرطان.
أكتب عن إطلالة الملك تشارلز الثالث ورسائله المهمة، ليس من باب التعليق فقط على حدث مهم وسعيد تعكسه اطلالته الحيوية ، بل من تجربتي مع مرض السرطان، وإحساسي بمعاناة أي مريض واحتياجه للرعاية الطبية والدعم المعنوي .
في العام 2022 خضعت في مستشفى UCLH الذي زاره الملك لعملية جراحية كبرى في الحنجرة، وهي عملية كبيرة ، وأبلغني الطبيب الجراح قبل العملية وهذه من سمات الشفافية الطبية في بريطانيا أنني سأفقد صوتي الطبيعي لكنني سأتحدث بصوت اصطناعي، واتاح لي فرصة مقابلة شخص فقد صوته بعد عملية جراحية في الحنجرة ويتحدث بصوت اصطناعي.
أحرص من وقت لآخر على الإشارة إلى تجربتي مع السرطان الذي أصاب ما كنت أصفه بحنجرة صوتي القديم الذي أحبه، وكنت أخاطب به الناس عبر الفضائيات، وفي صداراتها بي بي سي .
أحمد الله أن بريطانيا وفرت لي العناية الطبية الراقية ، فتم إجراء العملية وتقديم العلاج المجاني، المتواصل، والمتابعة حتى اليوم.
أقدر تقديرا عاليا ما وجدته في لندن من اهتمام طبي ورعاية وعلاج مجاني .
أحمد الله واشكره على نعمة وجود مناخ صحي متطور في لندن ، وجو إنساني أتاح لي إجراء العملية والعلاج.
أقول في هذا السياق ان العزم على خوض الصعاب بالتوكل على الله ، والتمسك بقوله تعالى ( قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) في رايي يقوي الانسان في الأيام الصعبة بعون الله ، حرصت في ظروف صعبة على مواصلة الكتابة عن هموم شعب السودان وقضايا المنطقة ، على حسابي في فيسبوك قبل تدشين موقعي الإلكتروني (إطلالة)..
كنت على سرير المرض في المستشفى ، ولأكثر من 3 اسابيع بعد العملية أتابع على جهاز الهاتف المحمول تظاهرات بنات وأبناء السودان الرافضين للظلم والديكتاتورية.
وقبل دخولي العملية بنص ساعة نشرت مقالة على صفحتي في فيسبوك بعنوان ( جراحة في حنجرة الصوت القديم) كما نشرت مقالة بعنوان ( اليزابيث وتشارلز معادلة “الحب” رسالة إلى مكروهين) ( رابطا المقالتين في نهاية هذه السطور) .
أخلص إلى أننا بشر ، والناس بدون استثناء ، الملك ، الرئيس، الأمير ،السلطان ، القائد المدجج بالأسلحة والمستبد بالآلة العسكرية، الوزير ، الموظف الكبير والصغير،العامل، والعاطل بدون عمل ، كلهم معرضون للإصابة بأمراض عادية أو خطيرة.
لا عيب ولا شيء ينتقص من كرامة الانسان ومكانته إذا تحدث بشفافية عن الإصابة بمرض خطير كمرض السرطان ( حماكم الله وشفى جميع المرضى) .
الشفافية قد تكسب الانسان احترام المدركين لأهمية التوعية بمخاطر الأمراض الخطيرة ، كي نساهم جميعا ، مرضى وأصحاء ، في حملات لرفع مستوى الوعي بأهمية التشخيص المبكر للسرطان وغيره من الأمراض .
تحياتي من القلب والعقل والوجدان للملك تشارلز ..
أدعوك أيها الملك الهمام ، صاحب الدواخل الانسانية، إلى أن تمد أنت شخصيا وحكومة المملكة المتحدة يد العون لمرضى السرطان الموجوعين في دول تعاني من الحروب ونقص إمكانات العلاج، وفي صدارتها السودان واليمن وفلسطين .
أدعو الله أن ينعم عليك بالصحة والعافية التامة…
أدعو “من يحيي العظام وهي رميم ” أن يشفى مرضى السرطان، وكل الأمراض الخطيرة، أو خفيفة الآلام والمواجع …
رابطا مقالتين عن ( جراحة في حنجرة الصوت القديم ) و(إليزابيث وتشارلز معادلة “الحب” رسالة إلى مكروهين).

