محمد المكي أحمد:
في خطوة لافتة، صدرت ثلاثة مواقف ترحيب في بورتسودان بـجهود السعودية وأميركا بشأن السلام في السودان.
الموقف الأول أعلنه “رئيس مجلس السيادة قائد القوات المسلحة السودانية” الفريق عبد الفتاح البرهان في تغريدة في حسابه على منصة ( اكس ) فور انتهاء حديث ترمب عن السودان أمس” ” .
البرهان سارع إلى”شكر” ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترمب على جهودهما لحل الأزمة السودانية.
موقف الترحيب الثاني جاء في بيان أصدره “مجلس السيادة” في بورتسودان، وقال إن ” حكومة السودان ترحب بجهود المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية من أجل إحلال السلام العادل والمنصف في السودان، كما تشكرهم علي اهتمامهم وجهودهم المستمرة من أجل إيقاف نزيف الدم السوداني”.
وقال ” مجلس السيادة” في تأكيد لافت إن “الحكومة “تؤكد استعدادها للانخراط الجاد معهم ( مع السعوديين والأميركيين) من أجل تحقيق السلام الذي ينتظره الشعب السوداني.”
الموقف الثالث الذي صدر في بورتسودان ، متزامناً مع الموقفين الساقين جاء في بيان ترحيب أصدره رئيس “حكومة الأمل” في بورتسودان الدكتور كامل ادريس.
في بيانه ، رحب ” باسم حكومة السودان والشعب السوداني بجهود ومساعي المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية لاحلال السلام العادل والمستدام في السودان”
وأضاف البيان أن ” رئيس الوزراء عن عبر شكره للجانبين على جهودهم المستمرة منذ اندلاع الحرب في البلاد لإيقاف القتال والسعي لاحلال السلام بالسودان”.
وتابع : أن ” رئيس الوزراء أكد الاستعداد التام للانخراط الجاد معهم من أجل تحقيق السلام والامن والاستقرار والرفاه للشعب السوداني”.
موشرات ايجابية في بورتسودان
تعكس مواقف البرهان ومجلس السيادة ورئيس “حكومة الأمل” مؤشرات تعكس حرص على التجاوب وإبداء نية التعاون مع التحرك الأميركي السعودي، وبالتالي تجنب الدخول في أية خلاف علني مع الرياض وواشنطن.
مستشار الدعم السريع يريد تشحيص جذور الأزمة
من جهته، رحب مستشار قائد قوات “الدعم السريع” الباشا طبيق في حسابه على ” فيسبوك” بتصريحات ترمب .
وقال” أرحّب بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن سلام السودان وإنهاء الصراع الذي دفع بالملايين إلى النزوح واللجوء، وترك ملايين آخرين في أوضاع إنسانية بالغة القسوة، وذلك عقب مناقشة ملف السودان مع الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي”.
وأضاف :”لا يرفض السلام إلا تجّار الحروب ومصاصو دماء الشعوب، غير أن أي سلام لا يذهب إلى تشخيص جذور الأزمة السودانية ويضع لها حلولاً جذرية، ولا يؤسس لدولة تقوم على حقوق المواطنة والعدالة والمساواة، ولا يضع أساساً لجيش مهني جديد بعيد عن الهيمنة السياسية ويتولى حماية حدود البلاد لن يكون إلا امتداداً لدائرة الحروب ودَوّامة الصراع”.
ترحيب حذر من طرفي الأزمة
المواقف الأولية التي صدرت في بورتسودان ومن مستشار قائد الدعم السريع يمكن وصفها بالإيجابية.
لكن مواقف الطرفين تعكس ترحيبا حذرا، يشير إلى أهمية ” إحلال السلام العادل والمنصف” و “السلام العادل والمستدام”.
كما أن أحداث السودان برهنت أن التصريحات لا يمكن اعتبارها موقفاَ يؤكد التجاوب مع المبادرات والتعاون مع جهود الوسطاء.
المحك يكمن في اقتران الأقوال بالأفعال، وقد دلت تجارب كثيرة أن هناك قيادات تقول شيئاً في البيانات والخُطب وتفعل عكس ما تُصرح به، وتمارس على الأرض أساليب تنسف صدقيتها.
محك الاختبار الأول في احترام حقوق الإنسان
محك الاختبار الأول لكل أطراف الحرب في سبيل اكتساب صدقية مفقودة بسبب ممارسات خاطئة كثيرة يكمُن في مدى احترام حقوق الإنسان السوداني.
هناك ضرورات ملحة لوقف عمليات القتل على الهوية وتصفية الناس باتهامات ” التعاون” مع الجيش تارة و” المليشيات” تارة أخرى، ووقف عمليات بشعة ضد المواطنين في صداراتها اغتصاب نساء والتحرش البشع الذي ينتهك كل الحقوق الإنسانية، واقتحام البيوت، وإرعاب المدنيين، وعدم احترام كرامة الإنسان الحي والميت.
دخول مرحلة جديدة وجادة على طريق السلام يستوجب مقدمات ايجابية، لأن لا نتائج ايجابية من دون مقدمات ايجابية، تهيء الأجواء، وتعكس حسن النيّات.
هذا يعني أن مرحلة ما بعد الحرب – وهي ستأتي حتماً اليوم أو غدا أو بعد حين – ستشهد معركة سياسية ساخنة بين الأطراف التي تخوض الحرب، لأن اهداف الحرب تختلف لدى الأطراف المتصارعة.
خارطة الرباعية ورفض مشعلي الحرب
يُتوقع أن تلعب “الرباعية ” التي تضم أميركا والسعودية ومصر والإمارات أدوارا فاعلة من خلال خارطة الطريق التي قدمتها في وقت سابق، وستجد دعماً من الرئيس ترمب.
لكن خارطة الحل التي طرحتها ” الرباعية” ستُقابل برفض قوى متحكمة في القرار السوداني حاليا وفي صداراتها قوى خططت للحرب وأشعلت شراراتها الأولى ، أو ساهمت بتهيئة الأجواء لاشعالها.
تجار الحرب وسماسرتها
قوى الرفض لـخارطة “الرباعية” تضم أطرافاً تختلف منطلقاتهم ،وبينهم تجار الحرب وسماسرتها ومجموعات تحلم بالسيطرة على الحكم بقوة السلاح ، وتستعد إلى فرض سيطرتها على الأوضاع بالقوة بعدما شكلت مليشيات وربما تسعى لتشكيل جيش إلى جانب الجيش السوداني الذي ينبغي أن يكون هو الجهة الوحيدة التي تحمل السلاح وتصون أمن وحرية وسلامة المواطن، لا الانقلاب على أحلامه وتطلعاته وهز استقراره من وقت لآخر، بسبب شهوة السلطة المتحكمة في تصرفات بعض العسكريين والسياسيين.
شعار ” المجد للبندقية”
رغم كل هذه التحديات، فان مرحلة جديدة قد تهييء لوقف الحرب قد بدأت تباشيرها بالكلام والبيانات، ما يعني أيضاً أن الاحتكام إلى منطق وشعار ” المجد للبندقية” الذي طرحه قائد الجيش الفريق البرهان في إحدى خطبه، سيسقط.
اذا حمت البندقية الشعب ولم تنقلب على أحلامه وخياراته سيكون ” المجد لها وللشعب”.
الجيش المهني ينبغي أن يكون جيش السودان والسودانيين كافة ولا يسمح قادته لأية جهة بأن تسعى سراً أو علنا الى تسيس أدواره ، وينبغي أن ينحصر دوره في حماية الوطن والمواطن وخيار الحكم المدني الذي أكدته ثورات شعبية باهرة.
قادة المؤسسات العسكرية كافة يجب أن لا ينخرطوا في الحياة السياسة أو الصراع السياسي، أو يسقطوا في أوحاله ، كما ينبغي أن يكف بعض القادة العسكريين عن الإدعاء بأنهم ” الأوصياء” على الناس ومصالح الوطن.
المؤكد في هذا السياق أن تطورات الأحداث في السودان اليوم أو غدا ستتجاوز شعار ” المجد للبندقية ” السائد الآن ، هذا التفكير تجاوزته المجتمعات العصرية التي تؤمن بتعزيز أدوار دولة المؤسسات، وبينها المؤسسة العسكرية التي ينبغي أن تكون محل تقدير واحترام وتقدير ودعم السودانيين كافة، لكن هذا لن يتحقق إلا إذا التزم قادتها بأدوارهم المُحدّدة في الدولة المدنية.
مُناخ مرحلة ما بعد تصريحات ترمب
المٌناخ الذي بدأت تشكله تصريحات ترمب عن سعيه لوقف حرب السودان بشراكة مع السعودية ودول “الرباعية” سيهيء الأجواء في وقت لاحق لمرحلة انتقالية تُمهّد لحكم مدني، يستجيب لضرورات العصر ، يحترم الحريات الأساسية وحقوق السودانيين كافة، يحقق السلام ، العدالة ، والعيش الكريم، إذا صدقت نيات الأطراف السودانية كافة ، سواء المنخرطة في الحرب أو التي رفضت أن تسكب الزيت على النار.
الإتحاد الأوروبي يدخل على خط الأزمة
وهاهي تفاعلات أحداث الشأن السوداني تنتقل اليوم من السعودية وأميركا إلى أوروبا..
رأى الاتحاد الأوروبي في بيان اليوم أن المسؤولية الأساسية عن إنهاء الصراع تقع على عاتق قيادة قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية والميليشيات المتحالفة معها، و أولئك الذين يقدمون لها الدعم المباشر أو غير المباشر.
حض الاتحاد الأوروبي جميع الجهات الخارجية الفاعلة على اتخاذ التدابير اللازمة لإنهاء بيع أو توريد الأسلحة والعتاد ذي الصلة إلى جميع الأطراف وفقا لحظر الأسلحة الذي فرضه قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1556 و1591.
وقال الإتحاد الأوروبي أنه سيواصل الدعوة إلى توسيع نطاق ولاية المحكمة الجنائية الدولية وحظر الأسلحة ليشمل البلاد بأكملها.
إدانة ” فظائع” الفاشر
وأدان في بيانه بأشد العبارات ماوصفها بـ” الفظائع الخطيرة والمستمرة التي ارتكبتها قوات الدعم ، بما في ذلك التي جرت في أعقاب السيطرة على مدينة الفاشر.
وشدد على أن الاستهداف المتعمد للمدنيين، والقتل بدوافع عرقية، والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي بشكل منهجي، والتجويع كأسلوب من أساليب الحرب، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وقال إن مثل هذه الأفعال قد تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ولفت إلى إنه ردا على هذه الجرائم، اعتمد مجلس الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي اليوم إجراءات تقييدية ( عقوبات) ضد عبد الرحيم حمدان دقلو، الرجل الثاني في قيادة قوات الدعم السريع.
وأكد أنه على استعداد لفرض أي إجراء تقييدي آخر ( عقوبات) متى ما كان ذلك مناسباً، على جميع الجهات الفاعلة المسؤولة عن زعزعة استقرار السودان وعرقلة انتقاله السياسي.
وشدد الاتحاد الأوربي على أهمية المساءلة ، وقال إنه سيُكثّف دعمه لتوثيق الانتهاكات والتحقيق فيها لكسر دائرة الإفلات من العقاب المستمرة، والتي لا تزال تولد فظائع جديدة.
وقال إنه يدعم الدور الحيوي الذي تلعبه آليات المساءلة، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية وبعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق وتحقيقاتها في الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية وشركاؤهما.
وشدد على أن ثقافة الإفلات من العقاب يجب أن تنتهي في السودان و محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
دعوة لاستئناف المفاوضات
وحثّ الاتحاد الأوروبي جميع أطراف الصراع على استئناف المفاوضات للتوصل إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وفقاً لبيان ” الرباعية” الصادر في 12 سبتمبر 2025، وقال إنه سيواصل العمل مع الرباعية وبالتعاون مع شركاء دوليين آخرين، بصفته رئيساً مشاركاً لمؤتمري باريس ولندن، لإنهاء معاناة الشعب السوداني وإيجاد حل سلمي ومستدام للصراع.
وشدد على أن دائرة العنف في السودان يجب ان تنتهي.
كل هذه التفاعلات الناجمة عن المواقف السعودية والأميركية والأوروبية تهدف لوقف شلال الدم في السودان، وهذا عمل إيجابي جدير بالتقدير.
لكن الوجه الآخر يكمن في أنها ستفتح أبواب الضغوط على مصراعيها، وستجد أطراف الحرب أن بيانات الترحيب بالجهود السعودية والأميركية التي سارعت إلى إعلانها، ستعقُبها مرحلة استحقاقات .
استحقاقات السلام حتمية ، وستقلب الأوضاع رأساً على عقب.

