محمد المكي أحمد:
غادر دنيانا الفانية المستشار القانوني السوداني أبو بكر القاضي أثناء زيارته للشارقة .
الراحل كان مقيما في بريطانيا، وانتقل إلى رحمة الله أثناء زيارة الى الإمارات .
عرفت أبو بكر الإنسان في العاصمة القطرية الدوحة منذ سنوات عدة.
كان يعمل مستشارا قانونيا في قطر .. وكنت صحافيا هناك لأكثر من ثلاثين سنة .
توثقت علاقتي الاجتماعية بالراحل والفقيد العزيز.
لم تكن علاقة عابرة، بل توثقت العلاقة بين عائلتين، تبادلنا زيارات، وكنا كبقية السودانيين المهمومين بقضايا وطن منكوب بحكامه نناقش قضايا السودان .
أبو بكر يتميز بانه صاحب آراء واضحة ومواقف شديدة الجرأة والحدة أحيانا.
كان رافضا للديكتاتورية ومنحازا بقوة لفكرة السودان الجديد، وهو يرى أنه يجب ان ينشأ ويتكون على انقاض سودان قديم اختلت فيه موازيين الحقوق والعدالة .
اتفقنا في رؤى واختلفنا في أخرى ، وهذا أمر طبيعي ، لأننا بشر، لكن لم يؤثر ذلك على علاقتنا الإنسانية، بل تشكلت بيننا علاقة احترام متبادل، ومودة.
كان الرجل صاحب مساهمات وطنية وفكرية سطرها في كتابات، وأعلنها في ندوات ومحاضرات وتصريحات، بعضها في الدوحة، وأخرى في لندن وكارديف حيث كان يقيم في بريطانيا.
غادر الدوحة الى لندن مضطرا ، وغادرتها مضطرا ..
التقينا في لندن .. وتعانقنا بمحبة.
سعدنا بالتلاقي ، وبثبات المواقف رغم مطاردة نظام ديكتاتوري سقط بارادة الشعب السوداني.
استرجاع زخم صلات الدوحة وذكرياتها الجميلة والحيوية ضخَ الدفء في دواخلنا.
كان حريصا على أن يرسل لي مقالاته التي كان يكتبها عن قضايا سودانية، وكانت ساخنة و مثيرة للجدل أحيانا، لكنها جادة وجاذبة للاهتمام، خصوصا أنه كان صاحب قناعات لا تهتز في أسوا الأحوال والظروف.
كان يحرص من وقت لآخر أن يرسل لي رسائل تقدير واعجاب بما أكتبه من تحليلات ومواقف وما كنت أبديه من آراء في فضائيات عن قضايا السودان والخليج والعالم.
تفاعل مع كتاباتي التي تحدثت عن قطر والتحولات التي شهدتها.
أبو بكر غادر الدوحة قبل سنوات، لكن بقيت قطر راسخة في دواخله وعقله، وقلبه، وكان مثالا للوفاء، والكلمة الطيبة عن بلد عاش فيه أجمل سنوات العمر.
تحدثنا كثيرا عن الدوحة وانسانها الطيب، والسنوات التي قضيناها هناك.
رغم مغادرتنا الدوحة كانت محبة قطر وتقدير أهلها قاسما مشتركا بيني وبينه، إضافة الى قاسم مشترك يكمن في رفضنا للديكتاتورية وانحيازنا لحقوق السودانيين في دولة مدنية عصرية ، دولة مؤسسات، تحترم سيادة القانون، وتصون الحريات.
برحيل الأستاذ، الصديق، المناضل، الكاتب، القانوني الضليع، ورئيس الجالية السودانية الاسبق في قطر، والصوت المشحون بحب الحرية والمساواة بين السودانيين، فقد السودان رجلا متميزا، وانسانا فاضلا، وحقوقيا بارزا ومثقفا.
برحيله فقد سودانيو بريطانيا وجها وعقلا نيرا .
غادرت دنيانا الفاضلة، لكنك لم تغادر قلوب وعقول من احترموا صلابتك ، وشفافيتك، ونقاء دواخلك، وبساطتك وتواضعك، ونبضك الثوري، الحيوي.
رحيلك موجع ..
نسأل الله أن يتغمد الفقيد أبو بكر القاضي بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء.
التعازي لأسرته وأهله وزملائه وأصدقائه وأحبابه على امتداد الوطن وفي الشتات.
( إنا لله وإنا اليه راجعون)

